اغتيال السمعة في عهد المنصات .. من يستفيد من ضرب الرموز والمؤسسات الفلسطينية؟
مريم شومان

لم تعد المعركة على الوعي الفلسطيني تجري فقط عبر البيانات السياسية ووسائل الإعلام التقليدية، فقد انتقلت المعركة إلى فضاء أكثر سرعة وتأثيرا وأقل قابلية للضبط؛ وسائل التواصل الاجتماعي حيث يمكن لمقطع مدته أقل من دقيقة أو منشور مجهول المصدر أن يعيد تعريف شخصية وطنية أو مؤسسة بأكملها أمام مئات الآلاف من المستخدمين قبل أن تتاح فرصة التحقق أو التوضيح.
في هذا السياق، تبدو جولة عضو اللجنة المركزية لحركة فتح اللواء ماجد فرج في عدد من محافظات الضفة الغربية وما رافقها من نقاش حول تصريحاته بشأن مطالبة حركة حماس بالاعتذار من الشعب الفلسطيني عن تداعيات السابع من أكتوبر، ثم الجدل الذي أثير حول ظهور عضو اللجنة المركزية لحركة فتح والأسير المحرر زكريا الزبيدي إلى جانبه أكثر من مجرد سجال سياسي عابر.
هذه النقاشات تستحق التوقف عندها، عندما يتم الانتقال من نقد الموقف السياسي إلى استهداف الشخص، ومن مساءلة المسؤول إلى محاولة إسقاط رمزيته، ومن الاختلاف مع المؤسسة إلى ضرب صورتها في الوعي العام.
وهنا تحديدا تكمن خطورة ما يجري.
جولات اللواء ماجد فرج الأخيرة يمكن قراءتها في بعدها السياسي والتنظيمي باعتبارها محاولة للاتصال المباشر بالمجتمع المحلي والاستماع إلى قضاياه وتلمس المزاج العام في المحافظات في مرحلة شديدة الحساسية، وهذه الوظيفة السياسية والاجتماعية للجولات لا ينبغي اختزالها في شخصية من يقوم بها أو في النقاشات التي رافقت بعض محطاتها.
ففي الضفة الغربية اليوم، لا تتحرك السياسة في فراغ.
هناك توسع استيطاني مسعور، واعتداءات جنونية للمستوطنين، وضغوط إسرائيلية على المدن والقرى، واقتحامات واعتقالات ومحاولات مستمرة لإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والسياسي للضفة الفلسطينية المحتلة، وفي مثل هذا الظرف تصبح العلاقة بين المؤسسات الوطنية والمجتمع المحلي جزءا من القدرة على الصمود لا مجرد نشاط بروتوكولي أو تنظيمي.
وقد تحولت جولات اللواء فرج من نشاط ميداني إلى مادة سياسية قابلة لإعادة التأطير، وهنا ينبغي طرح سؤال مختلف: هل المشكلة في الجولة نفسها، أم في الفراغ الاتصالي الذي يسمح للآخرين بتحديد معناها؟
وهذه نقطة جوهرية.
وهكذا لا تعود المعركة حول ما حدث فعلا وإنما حول من يمتلك القدرة على تفسير ما حدث.
على الناحية الأخرى، ربما كان الجدل حول زكريا الزبيدي أكثر وضوحا في الكشف عن طبيعة "الاغتيال الرقمي"؛ فالزبيدي ليس مجرد اسم سياسي، إنه أسير محرر وشخصية ارتبط اسمها تاريخيا بالمقاومة ومواجهة الاحتلال وبقضية الأسرى، وقد أصبح ظهوره إلى جانب اللواء فرج مادة لإنتاج سرديات متناقضة ومتضادة.
إن المشكلة ليست في اختلاف الفلسطينيين حول موقف الزبيدي السياسي؛ فمن حق أي فلسطيني أن يناقش موقف أي شخصية وطنية، ومن حق الجمهور أن يسأل ويختلف ويعارض، المشكلة في محاولة محو التاريخ السياسي للشخصية من خلال موقف واحد، ثم إعادة صياغة صورة صاحبها وتقديمها للجمهور باعتبارها شخصية فاقدة للشرعية الوطنية، وهذا هو جوهر الاغتيال الرقمي للسمعة.
واللافت أن الخطاب المقابل والنقاشات الأخرى للجمهور وقع أحيانا في الفخ نفسه، فقد تحول الدفاع عن اللواء ماجد فرج وزكريا الزبيدي إلى خطاب تعبوي ضد خصومهما بدلا من تثبيت قاعدة أكثر نضجا: "يمكن الاختلاف مع الزبيدي سياسيا دون إنكار تاريخه، ويمكن الاختلاف مع اللواء فرج في موقفه دون تحويله إلى عدو وطني".
هذه القاعدة ليست مجاملة لأحد، إنها حماية للمجال الفلسطيني من الانهيار إلى منطق التخوين.
النقد السياسي حق، أما صناعة المعلومات المضللة ونشر الأخبار الزائفة والتحريض المنظم ونزع الشرعية عن المؤسسات الوطنية فشيء آخر، والخلط بين الاثنين يضر بالمؤسسة الوطنية نفسها لأنه يحرمها من النقد المشروع كما يحرم المجتمع من القدرة على التعرف إلى الحملات المنظمة.
وفي الوقت الذي يتبادل فيه الفلسطينيون الاتهامات حول اللواء فرج والزبيدي، تتواصل على الأرض سياسات الاستيطان والاعتداءات ومصادرة الأراضي والضغط على التجمعات الفلسطينية، وهذا ليس تفصيلا خارجا عن المعركة الرقمية بل هو جزء من المعركة نفسها.
لأن إضعاف الثقة بين المواطن والمؤسسة الوطنية وتحويل المؤسسة الأمنية إلى موضوع دائم للاتهام وتحويل القيادات الوطنية إلى شخصيات متنازعة على الشرعية، كلها نتائج تصب في اتجاه واحد :"إضعاف القدرة الفلسطينية على بناء جبهة داخلية متماسكة في مواجهة الواقع الإسرائيلي المتغير".
وهنا يطرح سؤال جوهري ذاته: هل نسمح للخلاف السياسي بأن يتحول إلى أداة لتفكيك الثقة بالمؤسسات وبالشخصيات الوطنية وبالمشروع السياسي الفلسطيني نفسه؟
المشهد الفلسطيني لا يحتمل اليوم مزيدا من الاستنزاف الداخلي.
فالضفة المحتلة تواجه واقعا إسرائيليا يتجه إلى تكريس وقائع جديدة على الأرض، فيما تواجه القيادة الفلسطينية تحديات سياسية واقتصادية وأمنية متراكمة، وتقترب الساحة من استحقاقات انتخابية وإعادة ترتيب للمؤسسات السياسية.
وفي مثل هذه اللحظة، يصبح الحفاظ على الثقة بين المواطن ومؤسساته الوطنية جزءا من الأمن الوطني وهذا لا يعني منح المؤسسات حصانة من النقد.
على العكس؛ فالمؤسسة القوية هي التي تستطيع أن تسمع النقد وتصحح الخطأ وتشرح قرارها وتواجه التضليل بالحقائق، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح بأن يتحول المجال الرقمي إلى محكمة إلكترونية توزع صكوك الوطنية والخيانة.
إن القضية التي كشفتها جولات اللواء ماجد فرج والجدل حول تصريحاته والهجوم على زكريا الزبيدي ليست قضية شخصين.
إنها اختبار لقدرة الإعلام الفلسطيني على التعامل مع مرحلة جديدة أصبحت فيها السمعة الوطنية موردا سياسيا، والصورة الرقمية أداة ضغط والمعلومة المضللة سلاحا والانقسام الداخلي مادة انتخابية.
والاستجابة الذكية لا تكون بمنع النقد، إنما ببناء إعلام وطني أكثر مهنية، وأسرع في تقديم المعلومة وأكثر قدرة على تفسير السياسات وأقل اعتمادا على ردود الفعل.
ففي مواجهة صفحات مجهولة وحملات منظمة ومعلومات مفبركة لا يكفي أن نقول للمواطن: "لا تصدق"، يجب أن نعطيه معلومة أدق وسياقا أوضح ومصدرا أكثر ثقة.
وهنا تتحدد المعركة الحقيقية؛ حماية الجبهة الداخلية تبدأ من حماية الوعي.