شوفة خلف البوابات: 6 كيلومترات تتحول إلى رحلة عذاب

طولكرم– الحياة الجديدة– مراد ياسين- لم يعد إغلاق حاجز شوفة العسكري، جنوب شرق طولكرم، مجرد إجراء عسكري عابر، بل تحول إلى حصار يومي يثقل كاهل المواطنين ويطال مختلف تفاصيل حياتهم، من العلاج والتعليم والعمل والزراعة، إلى التواصل الاجتماعي والتنقل بين القرى والمدينة، فيما يجد أهالي شوفة وعزبتها وخربتها أنفسهم أمام طرق طويلة ووعرة، وحواجز وبوابات وسواتر ترابية تقطع أوصال المنطقة وتحاصرها من أكثر من جهة.
ويقول نائب رئيس المجلس القروي في شوفة، محمد دروبي، لـ«الحياة الجديدة»، إن قوات الاحتلال أغلقت حاجز شوفة العسكري بشكل كامل بعد نحو ثلاثة أشهر من السابع من أكتوبر، موضحًا أن الحاجز يقع بين قرية شوفة وعزبة شوفة على الطريق رقم (5615)، ويعد من الحواجز الداخلية التي تربط جنوب وشرق محافظة طولكرم باتجاه نابلس.
وأضاف أن الحاجز أقامه جيش الاحتلال عام 2016، ويضم برج مراقبة، وكانت تجرى فيه عمليات تفتيش للمركبات الفلسطينية، قبل أن يتحول إغلاقه إلى عائق رئيسي أمام حركة المواطنين في المنطقة.
وأوضح دروبي أن قرية شوفة تضم ثلاثة مداخل رئيسية، هي الشرقي والغربي والجنوبي، مشيرًا إلى أن المدخل الشرقي ترابي ويبلغ طوله نحو كيلومترين، ويؤدي إلى كفر اللبد ثم ذنابة وصولًا إلى مدينة طولكرم، إلا أن الطريق، الذي يمتد مساره إلى نحو 20 كيلومترًا، يعاني أوضاعًا صعبة للغاية، لا سيما خلال فصل الشتاء، رغم إنفاق نحو 300 ألف شيقل على تأهيله من قبل المجلس القروي.
أما المدخل الغربي، وفق دروبي، فيؤدي إلى عزبة شوفة ثم إلى مدينة طولكرم، لكنه مغلق بفعل الحاجز العسكري، وتبلغ المسافة عبره نحو 8 كيلومترات فقط، إلا أن بوابتين عسكريتين تغلقانه، إحداهما في جهة عزبة شوفة، والأخرى بالقرب من منزل الصابر، ما يعزل القرية عمليًا عن مدينة طولكرم.
وأشار إلى أن المدخل الجنوبي، الواقع على الشارع الالتفافي، مخصص لعرب الداخل وأهالي قرية شوفة، في حين يُمنع أهالي عزبة شوفة من استخدامه، في مشهد يعكس حجم القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين في المنطقة.
مستوطنة تلتهم الأرض.. وطرق تحاصر القرية
ولا تقتصر معاناة شوفة على إغلاق الحاجز، إذ تعود جذور الأزمة إلى سنوات طويلة من مصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني.
ففي عام 1987، استولت سلطات الاحتلال على أخصب الأراضي الزراعية الواقعة شمال القرية، وأقامت عليها مستعمرة «أفني حيفتس»، التي واصلت توسعها منذ ذلك الحين على حساب ما تبقى من أراضي المزارعين، حتى أصبحت، بحسب الأهالي، أكبر مساحة من القرية التي يعود عمرها إلى آلاف السنين.
ولم تتوقف الإجراءات عند مصادرة الأراضي، إذ شق الاحتلال خلال السنوات الماضية طريقًا التفافيًا يربط المستوطنة بالأراضي المحتلة عام 1948، ويمتد على طول الجهات الغربية والجنوبية والشرقية للقرية، ما أدى إلى تقلص الأراضي الزراعية المتاحة أمام السكان، فضلًا عن حرمان القرية من التوسع العمراني الطبيعي.
وفي مشهد آخر من معاناة السكان، يواجه أهالي شوفة وخربة شوفة التابعة لها صعوبة كبيرة في التواصل بينهما، نتيجة إغلاق الطريق المباشر الواصل بين الخربة والقرية الأم.
ويشير دروبي إلى أن المركبات تضطر، في حال أرادت الوصول إلى عزبة شوفة، إلى قطع مسافة تزيد على 27 كيلومترًا، رغم أن المسافة المباشرة بين المناطق لا تتجاوز بضعة كيلومترات، وذلك بسبب الحواجز الترابية والإغلاقات العسكرية.
ويبدأ المواطن رحلته من المدخل الشرقي للقرية، ثم يسلك الطريق الالتفافي باتجاه حاجز مستوطنة «عناب» شرق طولكرم، ومنه إلى الطريق الرئيس طولكرم–نابلس، مرورًا ببلدة عنبتا، ثم دخول مدينة طولكرم والعودة باتجاه الجنوب والشرق للوصول إلى عزبة شوفة، في رحلة شاقة تتجاوز 27 كيلومترًا.
حاجز مفتوح لفلسطينيي الداخل.. ومغلق أمام أبناء القرية
وأوضح دروبي أن المجلس القروي تواصل مع الارتباط الفلسطيني والجهات المختصة، بهدف ممارسة الضغوط على الاحتلال لفتح المدخل الجنوبي الواقع على الشارع الالتفافي، أو إعادة فتح الطريق الغربي عبر حاجز شوفة العسكري، بما يخفف من معاناة الأهالي.
وقال إن الأهالي فوجئوا بقيام جنود الاحتلال بفتح الحاجز أمام فلسطينيي الداخل، في الوقت الذي يمنعون فيه سكان القرية من استخدامه، الأمر الذي أثار غضبًا واسعًا بين أبناء شوفة.
ويضيف أن المشهد بات مؤلمًا ومستفزًا لأهالي القرية، الذين يقفون على جانب الطريق وهم يشاهدون مركبات فلسطينيي الداخل تمر أمامهم وتواصل طريقها، بينما يُمنعون هم من استخدام الطريق ذاته دون تقديم أي مبرر مقنع.
وأكد دروبي أن التواصل مستمر مع الارتباط الفلسطيني للضغط على كيان الاحتلال من أجل رفع هذه المعاناة، مشيرًا إلى أن المواطنين يضطرون لسلوك طرق تتجاوز 20 كيلومترًا للوصول إلى مدينة طولكرم، في حين أن الطريق الطبيعية لا تتجاوز نحو 6 كيلومترات للوصول إلى ضواحي المدينة.
ودعا دروبي وسائل الإعلام الفلسطينية إلى تسليط الضوء على معاناة أهالي شوفة وفضح الإجراءات التي يفرضها الاحتلال على المواطنين، مؤكدًا أن إغلاق الطرق والحواجز لا يضيق على حركة السكان فحسب، بل يهدد مختلف جوانب حياتهم.
40 شيقلًا للمواصلات.. والمرضى والطلبة والمزارعون في دائرة المعاناة
من جانبه، قال المواطن فراس عودة إن الوضع داخل القرية أصبح أكثر تعقيدًا، نتيجة الظلم الذي يشعر به الأهالي جراء الإجراءات العسكرية الإسرائيلية المفروضة عليهم، مؤكدًا أن تكلفة المواصلات من شوفة إلى مدينة طولكرم ارتفعت إلى نحو 30–40 شيقلًا.
وأوضح عودة أن إغلاق الطريق الرئيس انعكس بصورة مباشرة على الحياة الصحية والاجتماعية والتعليمية والاقتصادية، مشيرًا إلى أن المرضى يواجهون صعوبة كبيرة في الوصول إلى العلاج، خصوصًا أن القرية تفتقر إلى الخدمات الطبية.
ولفت إلى أن امرأة اضطرت، قبل أسابيع، إلى وضع مولودها على الحاجز قبل وصولها إلى المستشفى في طولكرم، بسبب طول الطرق التي تسلكها المركبات، وما يرافقها من تأخير ومشقة، الأمر الذي يزيد من خطورة الحالات الصحية، لا سيما لدى مرضى القلب والأمراض المزمنة.
كما ألقت إجراءات الاحتلال بظلالها على الطلبة، حيث يواجه طلبة الجامعات والمدارس في مدينة طولكرم أعباء مالية إضافية نتيجة ارتفاع أجور المواصلات، إلى جانب حالة القلق والخوف التي ترافق تنقلهم جراء ممارسات قوات الاحتلال والمستوطنين على الطرق والحواجز.
ولم يكن القطاع الزراعي بمنأى عن هذه الإجراءات، إذ تكبد المزارعون خسائر فادحة جراء صعوبة الوصول إلى أراضيهم وخدمتها ونقل منتجاتهم، خاصة محصول الزيتون والخضراوات المروية التي تتركز زراعتها في منطقة عزبة شوفة، الأمر الذي يهدد مصدر رزق أساسيًا لعائلات القرية.
نزيف سكاني.. 30 عائلة تغادر شوفة
ومع استمرار الحصار وتفاقم صعوبات الحياة اليومية، بدأت آثار الإغلاق تتجاوز الطرق والمواصلات إلى النسيج الاجتماعي والديمغرافي للقرية.
وبحسب عودة، أدت هذه الظروف إلى ما وصفه بـ«الهجرة العكسية» باتجاه المدن، حيث غادرت نحو 30 عائلة القرية، وكان من بينها عدد من المثقفين ورجال الأعمال والأطباء، في مؤشر على أن استمرار القيود والإغلاقات لا يحاصر الطرق فحسب، وإنما يدفع السكان إلى البحث عن بيئة أكثر قدرة على توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
وتقع قرية شوفة إلى الجنوب الشرقي من مدينة طولكرم، وتبلغ مساحتها العمرانية نحو 360 دونمًا، فيما تقدر مساحتها الإجمالية بنحو 11,700 دونم.
وهكذا، تبدو شوفة اليوم محاصرة بين بوابات الاحتلال وسواتره الترابية وطرق الالتفاف، فيما يدفع المواطنون ثمن إغلاق طريق لا يتجاوز طوله بضعة كيلومترات، بوقت ومسافات وتكاليف تفوق قدرتهم. وبين مريض ينتظر الوصول إلى المستشفى، وطالب يخشى الطريق، ومزارع يعجز عن الوصول إلى أرضه، تتسع دائرة المعاناة يومًا بعد آخر.
مواضيع ذات صلة
الاحتلال يُعيد فقوعة إلى سنوات العشرينيات
نور فريتخ.. صوت بيت قديم ونابلس وأغنية للحياة
عرابة.. الاحتلال يعدم موسم الزيتون باقتلاع الأشجار
" ثُرَيَّات" جنين تُزهر في سنة عصيبة
شوفة خلف البوابات: 6 كيلومترات تتحول إلى رحلة عذاب
الاحتلال يقتحم جبل الطويل في البيرة