من يملك الرواية يملك نصف المعركة
د. حكمت نبيل المصري

من أهم أسباب استمرار حضور حماس الشعبي خارج قطاع غزة قدرتها على إدارة روايتها السياسية والإعلامية وفق ما يمكن تسميته "سياسة نصف الكأس... ونصف الحقيقة".
الفكرة بسيطة: لا تقدم الصورة كاملة، بل تختار الجزء الذي يخدم روايتها، وتضعه في مقدمة المشهد، بينما تدفع الأجزاء الأخرى إلى الخلف. وهكذا يتحول الجزء من الحقيقة إلى ما يشبه الحقيقة الكاملة في وعي الجمهور.
في قراراتها ومواقفها وخطابها السياسي، يمكن ملاحظة هذا النمط بوضوح: إبراز نصفٍ ترى أنه يمنحها شرعية أو انتصارًا، وتجنب نصفٍ آخر قد يفتح أسئلة صعبة حول المسؤولية والكلفة والنتائج.
المثال الأول: الحرب و"عدم تحقيق الأهداف"
تكرر حماس في خطابها أن إسرائيل لم تحقق أهدافها في الحرب، مستندة إلى استمرار قدرتها على العمل والسيطرة في أجزاء من القطاع. وقد يكون هذا عنصرًا مشروعًا في تقييم النتائج العسكرية.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الجزء إلى الرواية الوحيدة للحرب، بينما تُهمَّش أسئلة أخرى لا تقل أهمية: كم كانت الكلفة البشرية؟ ماذا حل بالمدنيين؟ كم من البيوت دُمر؟ ماذا حدث للمدارس والمستشفيات والبنية التحتية؟ وماذا يعني أن يعيش مئات الآلاف من الفلسطينيين سنوات من النزوح والفقدان والخوف؟
فالانتصار العسكري، حتى لو كان محل نقاش، لا يلغي سؤال المسؤولية السياسية والأخلاقية عن حجم الخسائر البشرية والدمار.
وهنا تكمن خطورة "نصف الحقيقة": أن تقول للجمهور إن العدو لم يحقق أهدافه، دون أن تمنحه في اللحظة نفسها الصورة الكاملة لما دفعه المجتمع الفلسطيني ثمنًا لذلك.
والأخطر أن الآلة الإعلامية، أحيانًا، لا تبحث عن الصورة الأكثر تعبيرًا عن الواقع، وإنما عن الصورة التي تخدم الرواية؛ مواطن وسط الركام يرفع إشارة النصر، أو مقابلة مع شخص يؤكد الصمود، فتُقدم هذه اللحظة بوصفها تعبيرًا عن المزاج العام.
لكن صورة واحدة لا تختصر مجتمعًا كاملًا، كما أن كلمة مواطن واحد لا تستطيع أن تختزل مشاعر الملايين.
المثال الثاني: الصمود لا يعني غياب الألم
لا أحد يستطيع إنكار صمود الفلسطينيين، ولا يجوز اختزال الإنسان الفلسطيني في صورة الضحية فقط. لكن تحويل الصمود إلى بديل عن الاعتراف بالألم يمثل مشكلة أخرى.
يمكن للإنسان أن يكون صامدًا وموجوعًا في الوقت نفسه.
يمكنه أن يرفض الهزيمة، وفي الوقت ذاته أن يسأل: لماذا وصلنا إلى هنا؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وهل كان بالإمكان تقليل حجم الكارثة؟
هذه الأسئلة لا تعني التخلي عن المقاومة، ولا تعني تبني رواية الخصم، وإنما تعني أن المجتمع الذي دفع الثمن يمتلك الحق في معرفة الحقيقة كاملة.
المشكلة تصبح أكثر خطورة عندما تتحول الرواية السياسية إلى اختبار للولاء: إما أن ترى الجزء الذي نراه نحن، أو تصبح في معسكر الخصم.
المجتمع الفلسطيني اليوم لا يحتاج إلى رواية حزبية جديدة، بل يحتاج إلى رواية وطنية صادقة تستطيع أن تحتمل الأسئلة الصعبة.
رواية تقول إن الاحتلال مسؤول عن جرائمه، وفي الوقت ذاته لا تعفي أي طرف فلسطيني من مسؤوليته.
رواية تعترف بالصمود، لكنها لا تستخدم الصمود لإخفاء الألم.
رواية ترفض الهزيمة، لكنها لا تسمي كل خسارة انتصارًا.
ورواية لا تخاف من الحقيقة كاملة، لأن الحقيقة لا تُضعف الشعوب... بل تمنحها القدرة على التعلم وعدم تكرار المأساة.
----------------------
* صحفي وكاتب مختص بالشؤون الدولية، وباحث في قضايا العدالة والنزاعات المسلحة.