عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 13 أيلول 2026

ما بين الإقرار والإنكار!

سؤال عالماشي – موفق مطر

إذا كان الاعتذار يعني الاعتراف بالخطأ، كسبيل أخلاقي لإعادة تصويب وتصحيح علاقة بسبب خطأ، ومنعها من الانزلاق إلى مرحلة الخصام والعدائية، ويوفر عوامل لمحو آثار الخطأ، وإعادة بناء جسور الثقة بين الطرفين: المخطئ من جانب والمتضرر من الجانب الآخر، فإن الإخلاص والصدق في التعبير عن الخطأ يحتاجان إلى مجموعة صفات، أهمها وأولها الشجاعة الأخلاقية النابعة من إدراك المعتذر بأن الاعتذار يمنحه نقاط قوة إضافية لصالح شخصيته المتوازنة بالعقلانية والحكمة والتواضع، وانعدام النوايا السيئة، ومنها تعمّد إيذاء الآخرين.

وهنا يبرز الاعتذار كسلوك يظهر مدى التزام المرء بأخلاق اجتماعية إنسانية، ما كانت إلا لتكون رافعة لمن أراد الارتقاء بشخصيته وبعلاقاته مع الآخرين، وهذا يتطلب شجاعة أدبية غير تلك المعروفة في ميادين المنازلات والصراعات. فالاعتذار ليس كلامًا منمقًا ومنشودًا بصيغة شعرية، أو منطوقًا بمصطلحات مشتقة من كتب الأدب والتراث الاجتماعي، توحي بالندم، وحسب، بل انتهاج سلوك وعمل يؤكدان تغييرًا جوهريًا في نمط تفكير المخطئ المعتذر بصفته الشخصية.

هذا على صعيد العلاقات المجتمعية الفردية أو الجمعية المحدودة، لكن كيف سيكون الاعتذار عندما يتعلق الأمر بأفعال فئة أو جماعة، تجاوزت معنى الخطأ وتدرّعت بالإنكار، رغم النصائح والتقديرات والرؤى الواقعية العقلانية التي مُنحت لها دون مقابل، ومضت غير آبهة بالنتائج حتى استدرجت أفعالها، ومفاهيمها، وتعاميمها، الكارثة والنكبة على شعب يعدّ بالملايين؟ ما لم يكن الاعتذار إقرارًا؟! حيث لا يُفهم الإنكار سوى أنه تحجّر أصاب عقول ومشاعر وأحاسيس قياداتها، وتصحر السياسة من معانيها النبيلة، والتجرد من المسؤولية الوطنية، ولم يعد الاعتذار ينفع مع كل هذا!

فالاعتذار هو الخطوة التالية للاعتراف بالخطأ، والاعتراف إقرار صريح، والإقرار بالذنب في القضايا المدنية، وفقًا لقاعدة قانونية وفقهية، يعتبر «سيد الأدلة». وبما أن الفرع المسلح لجماعة الإخوان المسلمين في فلسطين، المسمى حماس، بقيادتيه السياسية والعسكرية، قد ارتكب جريمة الانقلاب الدموي على المشروع الوطني الفلسطيني، وعلى مبادئ وأهداف منظمة التحرير الفلسطينية وكيانيتها السياسية، كونها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني سنة 2007، ومنح منظومة الاحتلال والاستعمار الاستيطاني وحكومة الصهيونية الدينية العنصرية الذرائع لتنفيذ خطة الإبادة منذ السابع من أكتوبر سنة 2023، إبادة دموية مدمرة بحق الشعب الفلسطيني، تتحمل مسؤوليتها جيش الاحتلال الإسرائيلي وقادة حكومة إسرائيل، وفقًا لتقرير ومدعي عام النيابة في المحكمة الجنائية الدولية، فإن إقرار حكومة الاحتلال وقادة جيشها بجريمة الإبادة، وفقًا للقاعدة القانونية الفقهية، يعتبر حجة قاطعة وملزمة للمُقِرّ لإثبات الحق.

أما الأدلة والشهود والمستندات، فمرئية ومسموعة ومقروءة لحظة بلحظة، وبكل اللغات، على مرأى ومسمع العالم، وهذه وحدها كافية لإدانة منظومة الاحتلال. لكن قادة حماس الحاليين، الذين منحوا الذرائع لمنظومة جرائم الحرب والجريمة ضد الإنسانية، مطالبون بالإقرار أيضًا، وليس الاعتذار للشعب الفلسطيني وحسب. فما حدث خلال 20 سنة لا يصنف ضمن الأخطاء، بل يصنف كجرائم واضحة المعالم، ومعروف أسماء العقول المدبرة لها ومموليها ومنفذيها.

أما الحكم الأنسب على إقرار قيادة حماس، الذي لن يحدث، ولا نتوقع منهم حتى الاعتذار، فليس الانسحاب نهائيًا من السياسة الفلسطينية وحسب، بل هدم قواعد وركائز البناء الإخواني القطبي، وتعاميم ومفاهيم هذا التنظيم التي ساهمت في سلخ منتسبي وأنصار حماس عن الكينونة الوطنية الفلسطينية، ونفي الهوية الوطنية الفلسطينية.

فارتباط حماس بجماعة الإخوان القطبيين، الذين أنكروا الانتماء، قد ورثت قيادة حماس هذه العقيدة السياسية، حسب قول مرشدهم السابق مهدي عاكف: «الجماعة فوق الجميع، وكلام الجماعة عبادة نتعبد به إلى الله!!!!». وما قسم الولاء للجماعة والعمل من أجلها حصرًا، وليس فلسطين، إلا برهان على هذا الارتباط العضوي الذي يجب تفكيكه ودثره، والانتقال إلى مرحلة الاعتقاد بالانتماء الوطني والهوية الوطنية الفلسطينية، وليس استصغار الوطن، كما فعل عضو المكتب السياسي لحماس (محمود الزهار)، حين وصف فلسطين أمام مجموعة شباب جامعيين من تنظيم جماعته بأنها تشبه «عود مسواك وتكاد لا تظهر على الخريطة» في سياق حديثه عن مشروع الجماعة (الدولة الإسلامية)!!..

فالمطلوب أن تمتلك قيادة حماس الشجاعة، ليس للاعتذار وحسب، بل للكف عن الإنكار، وهدم معبد العناد والاستكبار، والانطلاق للاندماج بواحة الشعب الفلسطيني، ولكن ليس قبل الإقرار والحكم على الذات بما يكفي لنبذ الانغلاق والفئوية والتبعية لغير الوطن.

فالمناورة بتغييب وجوه بعينها عن المشهد السياسي فقط، لذر الرماد في العيون، ستكون إنكارًا، أي إصرارًا على ضرب مصالح الشعب الفلسطيني العليا!! لكن قضاء الشعب قادر على بيان الحقائق والحكم بالعدل.