عاجل

الرئيسية » اقتصاد » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 13 أيلول 2026

عرابة.. الاحتلال يعدم موسم الزيتون باقتلاع الأشجار

الجرافات تصادر دخل عائلات كانت تنتظر تأمين احتياجاتها لعام كامل.. ومزارعون ينتقلون من إنتاج الزيت إلى شرائه

88  ألف شجرة زيتون مستهدفة منذ مطلع العام، وخسائر تتجاوز 76 مليون دولار

جنين – الحياة الاقتصادية –ميساء بشارات- لم يكن خليل الفاري، ابن بلدة عرابة جنوب غرب جنين، ينتظر موسم الزيتون هذا العام ليبيع محصوله، بل كان ينتظره ليؤمّن لعائلته زيت عام كامل.

على أرض تبعد نحو 200 متر عن منزله، كانت هناك 20 شجرة زيتون، يبلغ عمر الواحدة منها نحو 30 عامًا. أشجار معمرة ومثمرة، اعتاد الفاري أن يعتني بها موسمًا بعد آخر، ويقلمها ويسمدها ويسقيها، وينظف أرضها بمساعدة أبنائه.

وكان يفصل هذه الأشجار عن موسم القطاف نحو 20 يومًا إلى شهر، وكانت، بحسب تقديره، قادرة على إنتاج ما بين 10 و15 تنكة من زيت الزيتون.

لكن في الأول من أيلول/سبتمبر، اقتلعت جرافات الاحتلال الإسرائيلية الأشجار جميعها.

يقول الفاري إن الأشجار كانت مصدر الزيت الأساسي لعائلته، وإن الإنتاج لم يكن مخصصًا للبيع، بل للاستهلاك المنزلي. ومع اقتلاعها، لم يخسر محصول الموسم فقط، بل وجد نفسه مضطرًا إلى شراء الزيت الذي كان ينتجه بنفسه.

ويقول: «ما ظل عندي زيت.. وبدي أشتري التنكة بـ500 شيقل».

 

20  شجرة.. وخسارة تمتد إلى ما بعد موسم واحد

بالنسبة إلى الفاري، لا تختصر الخسارة في عدد الأشجار المقتلعة. فهذه الأشجار التي أمضى سنوات في رعايتها كانت تمثل أصلًا إنتاجيًا قائمًا، يدر على الأسرة محصولًا بصورة متكررة.

وباحتساب السعر الذي ذكره الفاري للتنكة، والبالغ نحو 500 شيقل، فإن قيمة الزيت الذي كان يمكن أن تنتجه الأشجار هذا الموسم وحده تتراوح تقديريًا بين 5 آلاف و7.5 آلاف شيقل.

لكن هذه ليست سوى الخسارة المباشرة لموسم واحد. فاقتلاع شجرة زيتون معمرة يعني أيضًا إلغاء قدرتها على الإنتاج في المواسم المقبلة، بعد أن أمضت نحو ثلاثة عقود حتى وصلت إلى مرحلة الإنتاج.

ويقول الفاري إن العناية بالأشجار كانت تكلفه سنويًا ما بين 1000 و2000 شيقل، تشمل التقليم والتسميد والسقاية وتنظيف الأرض، إلى جانب الجهد الذي كان يبذله وأبناؤه في رعايتها.

لذلك، فإن ما اقتلعته الجرافات، من وجهة نظره، لم يكن أشجارًا فحسب، بل استثمارًا زراعيًا تراكم على مدى سنوات، ومصدرًا لغذاء الأسرة، وثروة كان يفترض أن تستمر في الإنتاج.

ويقول الفاري: «كأنه حدا اقتلع قلبي من مكانه.. هذه مصدر زيت ورزق لعيلتي ولأولادي».

 

من منتج للزيت إلى أسرة مضطرة لشرائه

تكشف قصة الفاري جانبًا آخر من الخسارة لا يظهر في قيمة الأشجار وحدها.

فالمحصول الذي كان يؤمّن حاجة الأسرة من الزيت أصبح الآن سلعة يتعين شراؤها من السوق. وبذلك ينتقل المزارع، بفعل فقدان أشجاره، من موقع المنتج الذي يؤمّن جزءًا من احتياجاته الغذائية بنفسه إلى مستهلك يتحمل كلفة شرائها.

ولأن إنتاج الفاري كان مخصصًا للاستهلاك المنزلي، فإن الخسارة لا تظهر فقط في دخل نقدي لم يحصل عليه، وإنما أيضًا في ارتفاع النفقات التي ستتحملها الأسرة لتأمين احتياجاتها من زيت الزيتون.

 

88  ألف شجرة في ثمانية أشهر.. والزيتون في قلب الاستهداف

قصة الفاري، وفق وزارة الزراعة، ليست حالة منفردة.

وتواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي أعمال تجريف الأراضي الزراعية واقتلاع الأشجار في بلدة عرابة جنوب غرب جنين، وسط منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم.

وتبلغ مساحة الأراضي المستهدفة في بلدة عرابة 223 دونمًا، تضم مئات أشجار الزيتون، المغروسة منذ عقود، والتي كان يستعد أصحابها لجني ثمارها، وتعتبر عصب الحياة الاقتصادية للمواطنين.

وتقدر مساحة كروم الزيتون في بلدة عرابة بنحو 8 آلاف دونم، من بينها 2800 دونم أصبحت محرمة على أهلها.

تقول إيمان جرار، مدير عام خدمات المزارعين في وزارة الزراعة، إن طواقم الوزارة وثقت منذ بداية العام وحتى الرابع من أيلول/سبتمبر 2026 انتهاكات طالت نحو 88 ألف شجرة زيتون، مقدرة قيمة الخسائر بما لا يقل عن 76 مليون دولار.

وتوضح جرار أن الانتهاكات تشمل القلع والقطع والتكسير والحرق والدفن، مشيرة إلى أن القلع خلال عام 2026 كان أكثر حضورًا واتساعًا مقارنة بالعام السابق.

وبحسب بيانات الوزارة، فقد سجلت طواقم التوثيق خلال عام 2025 انتهاكات طالت نحو 91 ألف شجرة، شملت مختلف أشكال الاعتداء. إلا أن طبيعة الاستهداف اختلفت، إذ كان القطع والتكسير أكثر بروزًا في عام 2025، ولا سيما في سياق الاعتداءات على مناطق مسافر يطا، بينما يتخذ القلع مساحة أكبر من الاعتداءات خلال العام الجاري.

وهذا التحول مهم اقتصاديًا؛ لأن قطع الأغصان أو تكسيرها قد يقلل الإنتاج، لكن اقتلاع الشجرة من جذورها يعني إزالة أصل إنتاجي كامل، وقطع العلاقة بين الأرض والشجرة والمحصول لسنوات طويلة.

 

جنين.. جغرافيا جديدة للاقتلاع

وترى جرار أن محافظة جنين باتت في قلب هذا التصعيد، بعدما اتسعت السيطرة الإسرائيلية على مساحات من الأراضي الزراعية في مناطق كانت، حتى وقت قريب، بعيدة عن الوجود الاستيطاني المباشر.

وتشير إلى مناطق رابا، وزبوبا، والسيلة الحارثية، وعرابة، ويعبد، وفراسين، باعتبارها من المناطق التي تعرضت لانتهاكات واسعة.

ولا تتوقف الاعتداءات، بحسب جرار، عند الأشجار، بل تشمل تجريف الأراضي، وتدمير برك ومصادر المياه المستخدمة في الزراعة، والاعتداء على ممتلكات المواطنين وهدم المنازل والمنشآت، إضافة إلى الإجراءات المرتبطة بشق الطرق وخدمة المستوطنات.

وتقول إن الصورة بمجملها تشير إلى استهداف أوسع للقطاع الزراعي، معتبرة أن ما يحدث «ليس فوضى أو أحداثًا منفصلة»، وإنما حملة ممنهجة ومدروسة، بحسب توصيفها، تؤدي إلى تفريغ الأرض وتقليص قدرة المزارعين الفلسطينيين على الوصول إليها واستثمارها.

 

الخسارة لا تنتهي عند الشجرة

تكمن خطورة اقتلاع الزيتون اقتصاديًا في أن الخسارة لا تتوقف عند قيمة الثمار التي لن تصل إلى المعصرة هذا الموسم.

فالشجرة المعمرة تمثل أصلًا إنتاجيًا طويل الأجل. وعندما تُقتلع، يخسر المزارع إنتاج موسم كان على وشك الحصاد، ويخسر في الوقت نفسه إنتاج المواسم التالية، بينما يحتاج تعويض الشجرة إلى سنوات طويلة قبل أن تصل إلى مستوى إنتاجي مماثل.

وتقول جرار إن الاعتداءات على القطاع الزراعي تؤدي إلى خسائر مباشرة في الأصول والإنتاج، وتراجع دخل الأسر الزراعية، فضلًا عن تحميل المزارعين تكاليف إضافية لإعادة تأهيل الأراضي والمنشآت ومصادر المياه.

كما أن اقتلاع الأشجار المعمرة، وفق الوزارة، يؤدي إلى فقدان القدرة الإنتاجية لسنوات طويلة، ولا سيما في محاصيل مثل الزيتون والعنب والحمضيات.

وهكذا، فإن قيمة الخسارة لا تقاس فقط بسعر الشجرة أو كمية الزيت التي كانت ستنتجها، وإنما بما كانت ستنتجه طوال السنوات المقبلة.

 

67  انتهاكًا في 11 يومًا

وتظهر سرعة الخسائر في بيانات وزارة الزراعة للفترة الممتدة بين 20 و31 آب/أغسطس 2026. فخلال 11 يومًا فقط، وثقت الوزارة 67 انتهاكًا في ثماني محافظات، بلغت القيمة التقديرية لأضرارها المباشرة نحو 1.322 مليون دولار.

وشملت هذه الانتهاكات أشكالًا مختلفة من الاعتداء على القطاع الزراعي، من تدمير مصادر المياه والمنشآت والبنية التحتية الزراعية، إلى الإضرار بالثروة الحيوانية واقتلاع الأشجار.

وكان الزيتون في مقدمة الخسائر؛ إذ سجلت الوزارة تضرر 764 شجرة زيتون بالقلع والقطع والتكسير والحرق، بقيمة خسائر مباشرة قدرتها بنحو 627,420 دولارًا.

ولا تعكس هذه الأرقام مجرد أضرار ميدانية، بل تكشف، وفق الوزارة، عن استهداف لمقومات الإنتاج الزراعي نفسها: الأرض، والشجرة، والمياه، والمنشأة، وقدرة المزارع على الوصول إلى مصدر رزقه.

 

 15 إلى 20 شجرة في الدونم.. ماذا يعني اقتلاع الأرض؟

تقدر وزارة الزراعة أن الدونم الواحد يضم في المتوسط نحو 15 إلى 20 شجرة زيتون.

وبالتالي، فإن خسارة الدونم المزروع بالزيتون لا تعني فقدان مساحة من الأرض فقط، وإنما فقدان عشرات الأصول الإنتاجية في مساحة صغيرة، لكل منها عمر وإنتاج مستقبلي.

وتزداد أهمية ذلك في المناطق التي تتعرض فيها مساحات واسعة للتجريف أو تمنع فيها إمكانية الوصول إلى الأراضي، لأن المزارع لا يخسر شجرته فحسب، بل يخسر القدرة على استثمار الأرض نفسها.

وهذا ما يفسر انتقال آثار الاعتداء من الحقل إلى البيت؛ فكل شجرة مقتلعة تعني إنتاجًا أقل، ودخلًا زراعيًا أقل، وتكاليف أكبر، وربما اعتمادًا أكبر على شراء الغذاء من السوق.

 

من الأرض إلى مائدة الأسرة

وتشير جرار إلى أن استهداف الزيتون لا يضرب قطاعًا زراعيًا منفردًا، بل يمس شبكة اقتصادية واجتماعية أوسع تضم المزارع وأسرته، والعمال الزراعيين، وعمليات القطاف والنقل والعصر والتخزين والتجارة.

ومع كل موسم يخسر فيه المزارع محصوله أو أشجاره، تتقلص كمية الإنتاج التي تدخل هذه الدورة الاقتصادية، وتتسع في المقابل حاجة الأسر إلى شراء ما كانت تنتجه أرضها.

 

خسارة خليل أكبر من 7500 شيقل

بالنسبة إلى خليل الفاري، لم تتوقف خسارته عند الأشجار؛ ففي الأرض نفسها منشأة اقتصادية هي مغسلة سيارات، يقول إنه أعاد إنشاءها واستثمر فيها مبالغ كبيرة، ووقع التزامات مالية وشيكات ما زال يحتاج إلى نحو عامين لتسديدها.

وقد تسلم، بحسب إفادته، إخطارًا يتعلق بإزالة المنشأة أو هدمها ومراجعة الإدارة المدنية بشأن الترخيص.

وهكذا وجد الفاري نفسه أمام خسارتين متوازيتين: أصل زراعي عمره ثلاثة عقود، واستثمار اقتصادي حديث لم يستكمل بعد استرداد تكلفته.

وبالنسبة إلى خليل الفاري، لم تكن الأشجار العشرون مجرد رقم في سجل الأضرار؛ كانت محصول عام، وزيتًا يكفي أسرته، وذاكرة أرض ورثها عن والده، واستثمارًا كان يمكن أن يستمر سنوات أخرى.

أما على مستوى القطاع الزراعي، فتشير أرقام وزارة الزراعة إلى أن المعركة تتجاوز شجرة هنا وأخرى هناك، لتطال الأصول التي ينتج منها الاقتصاد الزراعي الفلسطيني أصلًا.

فحين تقتلع شجرة زيتون معمرة، لا يقتلع الجذر وحده؛ يقتلع معه محصول موسم، ودخل أسرة، واستثمار سنوات، وإنتاج سنوات قادمة.

وفي أرض عرابة، حيث كان المزارع يستعد للقطاف، سبقت الجرافات موسم الزيتون بأسابيع، وحولت ما كان يفترض أن يكون موسمًا للثمر والدخل إلى موسم جديد من الخسارة.