وماذا بعد؟
تغريدة الصباح – حسن حميد

يسألني الكاتب الألماني المسرحي (توماس بالك) في خاتمة رسالته الجديدة التي وصلتني مؤخرًا: وماذا بعد؟! وهو يقصد كل ما حدث ويحدث في غزة والضفة الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة!
بداية، فرحت برسالة (توماس بالك)، لأنها تجدد روح الصداقة بيننا بهواء جديد، وهي صداقة قديمة، رحنا نجددها بالأخبار والتمنيات والحديث عن الأدب والثقافة وأدوارهما في زمننا الراهن!
أخبرني توماس بالك أنه انقطع عن مراسلتي لأنه اعتُقل في (أريحا)! وسبب اعتقاله، كما شرح لي، يعود إلى غلطة في إجراءات السفر. لقد كان، كما عرفت، في زيارة لمدينة (أريحا)، وحين مر على الحواجز، ختموا جوازه بخاتم المغادرة برًّا إلى الأردن، وهو لا يريد المغادرة برًّا، بل جاء لزيارة مدينة (أريحا)، ثم العودة إلى مدينة (شفا عمرو). لقد اعتُقل وخضع للتحقيق، وضاق صدره بالأسئلة التي أحاطت به يوميًا، وكلما قال لهم إن الغلطة هي غلطة من هم على حواجزهم، قالوا له: القانون قانون. وكان يضحك، لأن كل ما رآه وسمعه وعاشه طوال زيارته لبلادنا الفلسطينية العزيزة لا يعرف القانون، ولن يعرفه، ما داموا أصحاب عنجهية!
قلت لـ(توماس بالك) في رسالتي إليه: سامحني، لن أسألك عن حالك داخل معتقلاتهم، لأنني أعرفها، ولن أسألك إن اتسعت حقيبتك لأذياتهم وصلفهم وعنصريتهم، لكنني سأسألك: ما الذي فقدته داخل معتقلاتهم؟ وأنتظر إجابتك!
في رسالته الأخيرة، يسألني (توماس بالك): وماذا بعد؟ يا صديقي، وقد هدموا ما هدموه، وقتلوا من قتلوه، وهجّروا من هجّروه، ودمّروا، وفجّروا، وخرّبوا كل ما استطاعوا عليه. وهل ستستمر الحياة هكذا؟ أما تعبوا من القتل والمطاردة والاعتقال والتحقيق واقتلاع الأشجار وسرقة الأرض والكذب والتلفيق والادعاء؟ ألا ينجبون خلقًا يتعلمون أن الحياة ليست هكذا؟ أم أن الأحقاد تورّث، وأن العنصرية تورّث، والشر يورّث، وسفك الدماء يورّث، والكذب يورّث؟!
ويسألني (توماس بالك): قل لي، أرجوك، وماذا بعد؟! وماذا يفعلون الآن سوى هذه الأفاعيل؟!
كتبت لـ(توماس بالك) ما شعرت به حقًّا، أي فرحي برسالته الأخيرة، وقلت له: عودتك إلى ألمانيا خبر مفرح، بعد اعتقال قصير. لو عرف الفلسطيني مدة اعتقال كهذه، لقال لك: هذه مادة تُقضى وقوفًا على قدم واحدة مثل مالك الحزين. وقلت له، إجابة عن سؤاله: وماذا بعد، وما الذي يفعله الإسرائيليون اليوم بعد كل الذي فعلوه؟!
قلت:
إنهم يواصلون أعمالهم التي اتصفوا بها منذ سبعين سنة وأزيد، يا صديقي، وهم أيضًا يجزّون الأعشاب التي نمت وتطاولت، رغم طائراتهم المحوِّمة، ودباباتهم المتكاثرة مثل ذباب على سطل (مرملاد)، ورغم روائح البارود وشح الماء وقلة الضوء!
يجزّون العشب، ويسألونه: كيف نما، ومن أين له هذا اللون الأخضر، وكيف له القدرة على أن يبرق، ومن علّمه الرقص والترحيب كلما مرّت به الأنسام، ومن أين له هذه الرقة، وكيف له أن يترك أثرًا بهيجًا في نفس كل ناظر إليه، وكيف لم يحترق بنيران قنابلهم، وما الذي يعنيه حضوره وامتداده على مساحات واسعة؟
نعم، يا (توماس بالك)، إنهم يجزّون العشب كيما يحققوا معه، وهم يتجاهلون، بعد أن أعمتهم القوة، أن للعشب طبيعته وفطرته، فهو ينبت ويتطاول لأنه تجذّر في الأرض، والترحاب بالهواء هو فرحه، وأن العشب، ببساطة، هو وجه من وجوه الأرض الزاهية.
وهم يعاتبون أشجار الزيتون، وهي، كما رأيت، حقولًا واسعة، وحلمها ليس الزيت وحسب، بل الخضرة والعمران والظلال والمؤانسة والقول: أنا حياة القرى، أنا أمها وأبوها!
إنهم يعاتبون أشجار الزيتون بعدما اقتلعوها وحرقوها: كيف استنبتت أغصانًا جديدة لها، وكيف عاودت الطلوع، وكيف صار لها ظلال وعرائش من خضرة وطيور وزقزقات؟! وهل سيأتي الناس إليها ومعهم الأغاني؟ وهل ستأتي النساء الفلسطينيات بالأثواب المطرزة، وكأنهن ذاهبات إلى فرح عزيز؟ وهل ستمد موائد (المجدرة) المجللة بأجنحة البصل القمرية، وحبات الزيتون من الموسم الماضي، ودلاء (العيران)؟ وهل ستمتلئ عربات الجر (الكارو) بأكياس الزيتون الذاهبة إلى المعاصر القريبة؟!
نعم، يا (توماس)، إنهم، كعادتهم، يطردون الفلاحين، أصحاب حقول الزيتون، بعيدًا عن حقولهم، كيما ينفردوا بأشجار الزيتون، كي يعاتبوها لأنها، كما يرون، جاهلة وغير متعاونة وعنيدة ولا تعرف مصلحتها، ولأنها تخالف أوامرهم، وهي لا تعرف كم يمتلكون من القوة الباطشة الحارقة المذيبة!
نعم، يا (توماس)، إنهم لا يعرفون أسرار الطبيعة وأسرار الأشجار، لا يعرفون أن الطبيعة، ومنها الأشجار، حياة، وأن الظلال حياة، والزيت حياة، والغناء حياة، والفرح بالمواسم، ومنها مواسم الزيتون، هو الفرح العزيز، ولأجله تلبس النساء الفلسطينيات الأثواب المطرزة، وتقام موائد (المجدرة) في براري خصّها الله بالمحبة والمؤانسة والألفة والرضا.
إنهم لا يعرفون هذا، ولا يفكرون به، ولا يشعرون بما يتركه من مسرّات داخل النفوس. إن قلوب أهل الحقول، يا صديقي، تظل عامرة بالفرح من موسم إلى موسم، وهم لا يريدون أن يعرفوا هذا!
تصوّر، يا صديقي، جنونهم! إنهم يجمعون من العناكب الرمادية والسود ما يملأ صناديق كرتونية كبيرة، يجمعونها ليسألوها: لماذا تواصل نسج بيوتها هنا وهناك، ولا سيما داخل نوافذ جذوع شجر الزيتون؟ وكيف لها أن تتمتع بمثل هذا الترف، وهم قربها يصهرون الحديد من أجل أن يصير قنابل ورصاصًا وطائرات مسيّرة، ويسألون: كيف لهذه العناكب أن تشعر بالسعادة وهي تتأرجح فوق نسيجها الواهي، وهم لا يشعرون بالسعادة مع أنهم يعيشون في بيوت أسيجتها مكهربة!
أتدرك الآن، يا صديقي (توماس بالك)، ماذا يفعلون في هذه الأوقات؟! أنا أحدثك عن أمور حقيقية، لا خيال فيها. إنهم لا يريدون أن يبقى أي شيء على طبيعته: لا النبات، ولا الشجر، ولا الغدران، ولا الأنهار، ولا السواقي. لقد عزلوا الأنهار عن محيطها، وردموا الآبار والغدران والسواقي، ليس من أجل حرمان الفلسطينيين من مائها فقط، بل لأنها تتمرد على أوامرهم، فهي، رغم ردمها مرات ومرات، تعاود التفجّر والجريان طلبًا للحياة!
ليت الورق يتسع، يا صديقي، لأخبرك أكثر!
ملاحظة:
توماس، أيها الغالي، حدثني أرجوك، في رسالتك القادمة، عن الذي فقدته في معتقلاتهم!
Hasanhamid5656@gmail.com