لماذا نحن -الفلسطينيين- نهتم بالانتخابات الإسرائيلية؟
باسم برهوم

ثمة من يقول: لا أهمية لمتابعة الانتخابات الإسرائيلية، مبررًا ذلك بأن الإسرائيليين نسخة واحدة، أو أنهم عدة نسخ من اليمين الصهيوني نفسه، وأنهم مثل بعضهم بعضًا، وكلهم يريدون التخلص منا، ويرفضون إقامة الدولة الفلسطينية، ويريدون، بل ويصرون، على بقاء الاحتلال والاستيطان وتغذيته وتسمينه باستمرار. لذلك، ما أهمية أن نتعب أنفسنا بالمتابعة إذا ما كانوا نسخة متكررة من اليمين، أو أشباه اليمين؟
ويضيف أصحاب هذا الرأي بالقول: إنه لم يعد هناك يسار في إسرائيل، كما أن يسارهم، بالأساس، ليس كأي يسار آخر في العالم، وإنما هو يمين مع بعض التجميل. وما يعزز لدى هؤلاء هذا الاعتقاد هو التجربة التاريخية المرة مع الحكومات الإسرائيلية، التي واصلت، الواحدة بعد الأخرى، سياسات القمع والعقاب الجماعي، وسياسة الظلم والإذلال، وجميع الحكومات، بلا استثناء، قامت بالاستيلاء على الأرض وبناء المستوطنات عليها.
وأصحاب هذا الرأي من الفلسطينيين ليسوا جميعًا من الطبيعة ذاتها؛ بعضهم يقول ذلك ويردد هذه المقولات ليعبروا عن سخطهم وتجربتهم المباشرة القاسية مع الاحتلال، وهؤلاء، على الأغلب، أناس عاديون مقهورون، يطغى على رأيهم ما يلحق بهم من ظلم من الاحتلال الإسرائيلي. أما البعض الآخر، فيتبنون هذا الموقف انطلاقًا من موقف أيديولوجي عقائدي، يرفضون، في الأساس، النظر إلى الداخل الإسرائيلي، ويتعاملون معه على أنه مجتمع ودولة زائلة لا محالة، وأن إسرائيل كيان مغتصب، لا سلام ولا إمكانية لعقد اتفاقيات معه، وبالتالي لا حاجة لإضاعة الوقت بمتابعة أي شيء يجري داخل هذا الكيان، بما في ذلك الانتخابات.
وهناك جزء واسع، وربما هم الأغلبية، يعتقدون أن كل ما يجري في إسرائيل هو أمر يؤثر علينا وعلى حياتنا اليومية وعلى مستقبلنا، وأن أي انزياح نحو هذا الاتجاه أو ذاك قد يعقد واقعنا لفترة طويلة من الزمن؛ لذلك لا بد أن نتابع عن كثب، وأن نعرف كل التطورات في المجتمع الإسرائيلي، بغض النظر عن العلاقة الثنائية. ومن بين أهم ما يجب أن نتابعه الانتخابات، لأن نتائجها تعكس إلى حد كبير إلى أين يتجه المجتمع الإسرائيلي وما هي توجهاته.
ومن وجهة نظر هؤلاء، فإن معرفة المجتمع الإسرائيلي هي من أكثر المهام النضالية أهمية؛ فلا شيء يمكن أن نقوم به، سواء كان مقاومة مسلحة، أو عقد اتفاق سلام، أو أن نقرر خوض مقاومة شعبية طويلة المدى ضد الاحتلال الإسرائيلي، من دون أن نكون على معرفة دقيقة بكل شيء في المجتمع الإسرائيلي: ما الذي يوحده، وما الذي يفرقه؟ وكيف يتطور سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وعسكريًا وتكنولوجيًا؟
هناك من يحاول إراحة نفسه وينظر إلى إسرائيل نظرة عدمية، ولا يريد أن يلاحظ التطورات ولا المتغيرات، وبالتالي لا يتابع الانتخابات. والسؤال هنا: كيف يمكن أن نضع سياسات واستراتيجيات إذا لم تكن لدينا معرفة عميقة بإسرائيل؟
لا يختلف اثنان في الشعب الفلسطيني على أن إسرائيل كدولة قد تأسست بطريقة غير طبيعية، وبالتالي نشأ المجتمع الإسرائيلي بطريقة غير طبيعية، وليس مثلما نشأ وتطور أي مجتمع آخر، أو أي دولة أخرى. ولكننا اليوم أمام واقع موجود؛ فهناك دولة وهناك مجتمع، بغض النظر عن كيفية نشوئه أو كيفية تجميعه من أصقاع الأرض. كما لا يختلف اثنان في الشعب الفلسطيني حول أن إسرائيل قد تأسست على حساب الشعب الفلسطيني، وأن تأسيسها الإحلالي كان يهدف إلى تفكيك فلسطين وتفكيك شعبها، وأنها، أي إسرائيل، دولة مغتصبة وتوسعية، ولا تحترم بأي قدر القانون الدولي.
ولكن كل هذه الحقيقة لا تمنع أن نعرف وأن نتابع كل ما يحدث في إسرائيل، كما ليس صحيحًا، ومن التجربة أيضًا، أن الإسرائيليين كلهم نسخة واحدة، أو أنهم مجتمع غير قابل للتغير.
دعونا نسأل أنفسنا: هل رابين وبيريس ويوسي ساريد هم مثل نتنياهو وسموتريتش وبن غفير؟ رابين وبيريس اعترفا بوجود الشعب الفلسطيني، واعترافا ببعض حقوقه السياسية والوطنية، كما تخليا عن فكرة "الترانسفير"، واختارا أن يوقعا اتفاق سلام مع الشعب الفلسطيني، اتفاقًا قابلًا لأن يتطور إلى دولة. لذلك قام اليمين المتطرف الإسرائيلي، الذي يحكم إسرائيل اليوم، باغتيال رابين ليجهض وينهي اتفاقيات السلام (أوسلو).
اليمين المتطرف لا يعترف بوجود الشعب الفلسطيني، ولا يعترف بتاتًا بأي حقوق له، لا سياسية ولا مدنية، بل ويعمل من أجل تهجيره وتصفية القضية الفلسطينية تمامًا وإلى الأبد.
كما علينا أن نعترف أن اليمين المتطرف الإسرائيلي لم يكن وحده مسؤولًا عن إنهاء فرصة السلام، وإنما كان في الجانب الفلسطيني من يسعى للهدف نفسه، وفي طليعة هؤلاء حماس، التي كانت كل ما تقوم به يتناغم مع ما يناسب توجهات اليمين المتطرف الإسرائيلي.
والغريب في الأمر أن من يدعي ويقول إنه لا أهمية لمتابعة الانتخابات الإسرائيلية، هو أكثر المعنيين بعقد صفقات معها من تحت الطاولة، ويعرض عليها هدنة طويلة الأمد.
كما علينا أن نعترف أن السلطة الوطنية، وإلى جانب الثغرات الملموسة في الأداء، فإنها لم تكن حازمة بما يكفي لتطبيق مقولة: سلاح واحد، وقانون واحد، وسلطة واحدة، مما أوصلنا إلى ما وصلنا إليه.
إن متابعة ما يجري في إسرائيل، ومتابعة الانتخابات، أمر مهم وحيوي للغاية، وإن الدعوة لعدم المتابعة لا تخدم سوى الهدف الإسرائيلي الأهم، وهو إبقاء الشعب الفلسطيني جاهلًا ويفتقر إلى المعلومات وإدراك ما قد يؤثر عليه إيجابيًا أو سلبيًا من المتغيرات داخل المجتمع الإسرائيلي، مهما كانت هذه المتغيرات تبدو بسيطة أو بطيئة، لأن ذلك يمس حياتنا، ويمس وجودنا على أرضنا، ويمنع معرفة وإدراك متى نقاوم أو متى يمكن أن نصنع السلام الحقيقي.