عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 24 أيلول 2026

جغرافيا الزيتون الفلسطيني (الحلقة الرابعة)

زيتونيات- فياض فياض

بينما تتوزع المحاصيل الزراعية في فلسطين بحسب عبقرية التربة والمناخ، فتحتل الخليل صدارة إنتاج العنب والكروم بامتياز، والاغوار موطن التمور الفاخرة، وقلقيلية بالجوافا وتشاركها طولكرم في الفواكه الاستوائية، ولكن ورغم ان مدينتي طولكرم وقلقيلية كمدن ساحلية فان القرى الواقعة على رؤوس وقمم التلال والجبال، تتميز بجودة زيت الزيتون مثل كفر اللبد ورامين وبيت ليد ودير الغصون وعلار وصيدا، وكفر قدوم واماتين، واذا وصلنا الى محافظة سلفيت فاننا سنواجه فلاحين يعتنون بشجرة الزيتون بنفس عنايتهم بأولادهم ويحرصون على انتاج افخر الزيت من دير استيا وبديا والزاوية ودير بلوط، وتنفرد سلفيت المدينة وبلدة فرخا ببرتوكول قلم الزيت. واذا تحدثنا عن عاصمة جبل النار، فلا بد ان تسمع شهرة زيت عصيرة الشمالية وياصيد وتل وصرة وجميعها بلدات تقع على رؤوس جبال او تلال.

وفي عاصمة الزيتون دون منازع جنين القسام، فهي صمام الـمان.. ان اتجهت غربا، فتجد مجموعة من القرى: زبوبا، ورمانة، واليامون، وتعنك، وكفردان، وان اتجهت الى الجنوب الغربي قستجد مثلث انتاجية هو الاعلى في فلسطين قاطبة وهي بلدات يعبد وعرابة وكفر راعي، واذا اتجهنا جنوبا فتلاقينا قباطية وجبع وميثلون.

ورام الله بها المتناقضات، بها افضل اشجار الزيتون وأفخر الخدمات يقابلها ضعف في ثقافة الزيت والزيتون في بعض القرى ما زالوا يعتقدون ان الزيت الثقيل افضل من الزيت الخفيف. وعند ذكر الجودة سيتبادر للاذهان عارورة ومزارع النوباني، وسكعة زيت الطيبة ودير دبوان.

وفي العاصمة المقدسة "القدس" ورغم ان الانتاجية تقدر بـ200 طن فقط الا ان الاهتمام بهذه الشجرة ومنتجها يجعل لزيتها نكهة مميزة، وبيت لحم التي لا تبعد عن القدس الا مسافة قليلة فان الزيت البجالي يحظى بسمعة طيبة ويباع بأسعار اكثر من ضعف الزيوت الفاخرة في المخافظات الاخرى.. فهم صنعوا لأنفسهم "جغرافيا زيت بيت جالا" على اسس دينية فترفع لهم القبعات.

وبقيت الخليل، ورغم الثقافة الخاصة بأهل الخليل لنوعية الزيت الذي يرغبون به، تبقى صوريف وخاراس عنوانا لأسعار عالية وسمعة طيبة. 

من كل ذلك نرسم خارطة فريدة في إنتاج وتصنيف زيت الزيتون البكر الممتاز (Extra Virgin OliveOil). هذه البلدات التي ذكرتها، لا تحظى فقط بحصة الأسد من حيث الكميات، بل تمثل العمق الفني لثقافة الجودة والمنافسة في الاسواق العالمية.

تتميز هذه الجبال بارتفاعات مدروسة ومناخ متوسطي مثالي يمنح صنف الزيتون "السوري" و"النبالي" توازنا نادرا بين النضج ومعدلات هطول الأمطار.

إن وعي المزارع في هذه القرى والمحافظات، وتعاونه المستمر مع المعاصر الحديثة، أسهم في ضبط معايير الجودة الفنية؛ من حيث اختيار الموعد الدقيق للقطاف، والابتعاد الكلي عن الأكياس البلاستيكية، وصولا إلى العصر السريع خلال ساعات من الحصاد.

هذا الالتزام يخفض نسب الحموضة  والبيروكسيد إلى أدنى حدودهما المسموحة عالميا.

هذا الانضباط الفني هو السبب المباشر وراء حصد مزارعي وجمعيات من بعض هذه المحافظات للجوائز المتقدمة في مسابقات جودة زيت الزيتون الوطنية، على عكس مناطق أخرى قد يغيب عنها هذا التنافس الفني. إن جغرافيا الزيتون الفاخر في فلسطين ترتبط ارتباطا شرطيا بثقافة استهلاك واعية لدى الجمهور والمزارع معا، حيث يتم تقدير النكهة الفاخرة المعتمدة على الفحص المخبري والحسي، ورفض الزيوت التالفة أو تلك التي تتجاوز حدود الحموضة المسموحة، مما يجعل من هذه الجبال الحارس الأمين لسمعة الذهب السائل الفلسطيني عالمياً.