.. ما أحوجنا إلى هذا!
تغريدة الصباح –حسن حميد

بعد أن رحل دوستويفسكي (1821-1881)، وبعد أن ألقى كلمته المذهلة في الاحتفالية التي أقيمت في ذكرى رحيل بوشكين (1799-1837)، وبعد أن استمع تورغينيف (1818-1883) لكلمات الاحتفالية، ومنها كلمة دوستويفسكي، بكى أمام الحضور، وشرق بدمعه، ورغم أن الأسئلة الهامسة والعالية انهمرت عليه مثل حبات التوت التي تتساقط مثل ندف الثلج في صباح وليد، إلا أنه لم يجب عنها، وأقصى ما فعله هو أنه أشار إلى دوستويفسكي الذي عاد إلى مقعده بعد أن ألقى كلمته المدهشة، وهو يلتقط أنفاسه نفسًا نفسًا، وكأنه حرّاث يعود من حقله، وقد لفه تعب ثقيل، وقد رأى دوستويفسكي تورغينيف يشير إليه فجحظت عيناه، وأرهفت أذناه، وتحرك عقله مثل فراش يدور حول قنديل، ليسأل ما الذي قصده تورغينيف بالإشارة إليه، لكن دوستويفسكي عرف المعنى، حين رأى تورغينيف، الرجل العجوز المهيب، ينهض ويمشي نحوه ثم يرتمي في صدره ويعانقه بدموعه السابلات.. لحظتئذ عرف الجميع، ومنهم دوستويفسكي، أن المحبة الآن.. طليقة لا حواجز تمنعها، ولا غرور يقف بوجهها، ولا (أناوية) مفرطة ذات ورم تجابهها! لذلك علا التصفيق؛ لأن الاثنين، دوستويفسكي وتورغينيف، كانا في أقرب نقطة للتلاقي بين قلبين دار بهما الزمن دورة الشر والخصومة!
وحين رحل دوستويفسكي (1881)، بعد سنة واحدة تقريبًا من ذلك الحدث الثقافي الكبير في روسيا، احتفالية بوشكين، بكاه تورغينيف في منفاه الاختياري، باريس، وأرسل برقية عزاء ومواساة إلى زوجته، وعاش أيام حزن كان فيها، إن تحدّث، لا يتحدث إلا عن دوستويفسكي الذي ظلمه مرات، وهو يحكم على أدبه، وأن ظلمه هذا وقف طوال سنوات حاجزًا بينهما، فلم يلتق أحدهما بالآخر، ولم يتواصلا بالرسائل، ولا بالأخبار المنقولة، إن كان أحدهما سأل عن الآخر. نعم.. كانت القطيعة كاملة.
دوستويفسكي كان ابن بلد، أصيلًا في انتمائه إليه، عاشقًا له، ويؤمن أن مهمة الأدباء والكتاب الأساسية هي الكتابة عن الناس، وما يعيشونه، وما يعانون منه، وما يحلمون به، ومهمة الفنانين أن يبدعوا فنًا يدعم الحياة، ويشيع حب العمل، والتفاؤل بأن الغد هو الأجمل والأزهى. لذلك كان قاسيًا في توصيفه للفنانين والكتّاب الروس الذين مضوا للعيش في البلاد الغربية، ومنها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا. قال لهم إن هذه المنافي التي اختاروها مكان سكن وعيش وكتابة، بدلًا من أمكنتهم الروسية، ستصير جدارًا عاليًا، ماديًا ونفسيًا، يحول دون التواصل بينهم وبين شعبهم، وفي كل شيء؛ المتاعب والهموم، والأسئلة اليومية، والأحلام التي لا تدنو أو تبين، ورأى أن عيشهم في البلاد الغربية هو إدارة ظهر لما أسماه عشق الوطن، حتى لو كتبوا عن أحداث ماضوية عرفوها، أو تاريخية قرؤوها، أو حياة عاشوها علقت في الذاكرة.
وهؤلاء الكتاب الروس الذين عاشوا في بلاد الغرب، ومنهم فنانون، أهل إبداع في الرسم والموسيقى، غضبوا، فعدّوا كلام دوستويفسكي انتقاصًا من قيمتهم، وهو لا يرى مكانتهم العالية بين الكتاب والفنانين الغربيين أصحاب الشهرة العالية. وكان أحد هؤلاء الكتاب الغاضبين، وهو رأسهم في المنافي الغربية، أعني تورغينيف، الذي وصفه دوستويفسكي بـ(المتغربن) الذي يكتب على النهج الذي انتهجه كتّاب الغرب في اختيار الموضوعات والأحداث، ويكتب ما يرضون عنه من أساليب وتقنيات وجماليات، هدفها تزويق الجملة الأدبية، لا شحنها بالمشاعر والصدق. ويقول أيضًا إن المكان الروسي مفقود في كتاباته، وهذا الأمر يكفي لأن تكون كتابته ليست روسية، بل أضاف قائلًا: حتى طباع شخوصه الأدبية ليست روسية، وأحلامهم لا تتحدث عن العودة إلى المكان الروسي، وكأنه مكان امّحى بحضور المكان الغربي!
وتورغينيف أيضًا تحدث كثيرًا عن أدب دوستويفسكي من أجل الحط من قيمته، فاتهمه بأنه كاتب ليس من أصحاب الأساليب، والأدب هو الأسلوب، وجملته في نصه الأدبي ليست جملة أدبية، بقدر ما هي جملة إبلاغية، خبرية، خالية من المجاز والخيال، وأن دوستويفسكي ليس صاحب تعب على اللغة، فهو يكتبها كيفما جاءت، وببساطة وسهولة تحاكي كلام العامة في الأسواق والشوارع والمقاهي، ورأى أن على الكاتب الحقيقي أن يوجد مرقاة لأسلوبه كي يكون جهة جذب وجمال وسحر تترك في نفس القارئ ذهولًا مما قرأ.
طبعًا، لا أستطيع، وفي هذا الحيز الضيق، أن أجمل كل الخلافات والمتناقضات ما بين دوستويفسكي وتورغينيف، وحسبي هنا الإشارة إلى بعضها التي أدت إلى خصومة وقطيعة وعتاب وملاومة بين الاثنين، وكلها كانت من أجل الأدب والمجتمع الروسي الذي يريد له دوستويفسكي أن يتغير من حياة العوز والظلم والمفارقة الكبيرة بين من يملك ومن لا يملك، وتعب الأسئلة ولهاثها وراء أحلام الناس، بدت كما لو أنها ليالٍ طوال لا صباحات لها.
وأيًا كانت الحال، فإنني هنا أود الإشارة إلى بواطن الذات الأدبية وأهدافها وغاياتها وسموها الجميل، تلك البواطن التي لا بد لها من أن تتجلى، ولو بعد حين، وقد تجلت عند تورغينيف، بعد رحيل دوستويفسكي، فقد أمضى تورغينيف عامين اثنين عاشهما، وصورة دوستويفسكي أمامه! لقد طلب ممن هم حوله أن يأتوا إليه بمؤلفات دوستويفسكي كلها ليقرأها، أو ليعيد قراءتها، كيما يمحو ما ترسب من غضب وعتب ولوم في نفسه تجاه دوستويفسكي! قرأ كتاب دوستويفسكي (ذكريات من منزل الموتى)، وهو من بواكير تأليفه، فبكى وقال: أي حياة عاشها دوستويفسكي، ومن كانوا معه في سجن ظلامي، رطب، كثير البرد، كثير الكربون، لا دواء فيه، ولا راحة، ولا نبتة خضراء واحدة، ولا شعاع شمس، ولا كلمة محبة، ولا تحية نابعة من القلب، ولا شوق ليوم آخر قادم، ثم آتي أنا، ومن (باريس) أو (بادن بادن) لأسأله: أين جمال جملتك؟ أين الزخرفة؟ أين سحر اللغة؟ ثم قرأ وقرأ وقرأ، إلى أن ارتطم بمؤلفه (الإخوة كارامازوف)، فانحنى ثم انحنى ثم انحنى؛ لأنه رأى في دوستويفسكي المفكر الذي يعرف، ويوازن، ويقارن بين طباع البشر وثقافتهم ورؤاهم، وهم أبناء أشقاء لأبوين في الأسرة الواحدة. لقد رأى تورغينيف ثقافة دوستويفسكي تركض بثقة بين الأسطر، ورأى اللغة المطواعة ذات التعبيرية المدهشة، والأسلوب الذي يقترب من أسلوب طيران الطيور وتحليقها الطبيعي، وكأنها شقيقة الهواء، وعندما انتهى من القراءة قال كلمة واحدة، لكنها كبيرة وراجّة، قال: إنه كاتب عظيم!
بعد سنتين اثنتين فقط، رحل تورغينيف، وهو يردد: دوستويفسكي، دوستويفسكي.. أيها العظيم، سامحني! نعم، هي الروح حين تشف، وهو جبل الغرور حين يذوب ويتلاشى، وهو النبل حين يعرّش، مثل الدوالي، بثماره الطيبات وظلاله الطوال.
Hasanhamid5656@gmail.com