عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 22 أيلول 2026

العقل الجمعي الوطني لتفكيك الاستعصاءات..

سؤال عالماشي -موفق مطر

إغفال عملية بناء الإنسان أو الانشغال عنها بقضايا ثانوية، وإغراق الشارع بنظريات ومفاهيم وحتى شعارات تتضمن أهدافًا غير ممكنة التطبيق عمليًا، ولا ملائمة للواقع، والاكتفاء بعملية تحشيد جماهيرية عددية، تصيب عملية التغيير الجذري في مكونات الشخصية الفردية والجمعية (الوطنية) بحالة معيقة لإحداث التغيير الجذري، الذي يعتبر هدفًا رئيسًا لكل الثورات وحركات التحرر الوطنية.

أما الطامة الكبرى، فهي إصابة المشهد الثقافي بحالة تضخم، تعرقل تنفيذ مخططات وبرامج، إن وجدت، وتخفض حرارة العمل المدفوع بمبادئ ورؤى تحررية وتقدمية، وتفرغ الإبداع من أهم مقوماته، كقدرة المبدعين في كل المجالات على إحداث نقاش ذاتي ومجتمعي حول تعزيز رؤية التغيير نحو مستقبل أفضل وآمن.

ليس هذا وحسب، بل الخروج بنتائج وأحكام يتم على أساسها نظم خطط وبرامج قصيرة أو طويلة المدى، بما يحقق رؤى تنموية هدفها الإنسان أولًا، وبالتوازي إنشاء ما يلزم من مؤسسات ومراكز معرفية وعلمية وبحثية، وتوفير قواعد اقتصادية تمكن المبدع من تحقيق الرؤى الشاملة التي تتجاوز البعد الشخصي. فالأصل أن المبدع في الثقافة والسياسة وعلوم المجتمع والاقتصاد متحرر من عقدة الأنا، لذلك تصل الأفكار من إبداعاته إلى أبعد نقطة في حدود الوطن الذي ينتمي إليه، وتتجاوزها لتصل إلى العالمية كجزء أساس من مهمة إبهار العالم بالشخصية الوطنية، وإقناعه بجدارته في الاستمرار بالوجود، انطلاقًا من نقاء جذوره التاريخية الحضارية، وقدرتها على الحياة إلى الأبد، والاضطلاع بالدور المطلوب للمساهمة في بناء صرح السلام الإنساني العالمي.

تبدأ عملية بناء الإنسان بتعليمه نظريًا وتطبيقيًا كيفية التحرر من المصلحة الفردية الذاتية، وإقناعه بأن مصالحه ونظرياته ورؤاه ورغباته وطموحاته لا تتحقق إلا بارتباط غير قابل للانفصال عن دوائر مجتمعه في كل مراحل حياته، ويدرك متطلبات أصغرها (العائلة) وأعظمها (الإنسانية)، مرورًا بالدائرة الأساس (الوطنية)، حيث لا قيود جبرية غير قانونية تمنع انطلاقه متمتعًا بالحرية كأساس للإبداع والريادة، وحتى القيادة.

أما الاستسلام للأنماط السائدة، ومحاولة تقليدها للصعود إلى سدة الطموح الشخصي، على حساب نوايا الآخرين الحسنة والإيجابية، وجهودهم وأفكارهم، ونظرتهم المتميزة والنوعية للأمور والقضايا، ومحاولة إرضاء الذات بمسميات أو مراتب، لا يوفر سبيلًا لكسبها رغم ضعف أو انعدام أهليته أصلًا.. فهذا مرض خطير قد يكون ملحوظًا، لكن مسكوتًا عن تداعياته الخطيرة على قوة البناء الوطني اجتماعيًا وثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا، وعلى قدرة هذا البناء على مواجهة (الهزات) سببها مطامع خارجية، أو تفاعلات داخلية نتيجة مزج المصالح الشخصية والفئوية مع بعض عناصر الثقافة، كما يفعل مستخدمو الدين والتراث والتقاليد للإبقاء على سلطة منافسة للدولة وسلطاتها، واستغلال وسائل الاتصال والتواصل لتبرير عدم الالتزام بقوانينها ودستورها!

قد يبدو الأمر صعبًا، لكنه ليس مستحيلًا، لأنه يحتاج إلى تحديد نقاط الاستعصاء، ومعرفة دقيقة بمناهج وأدوات تفكيكها، دون الوقوع في شراك الصدام والمواجهة، التي ينصبها (عدو الوطن) علنًا وخفية، ويجد منتفعين من هيمنته وسيطرته لتفجير ما تم بناؤه، وتشكيل موانع وصعوبات تعرقل الاستمرار بعملية البناء.

كما أن التوقف عند توصيف الواقع والرثاء على حالته، واعتماد ذلك في وسائل الخطاب، أو لصياغة مواقف من قضايا وطنية عامة، دون إدراك أهمية بناء الإنسان باعتباره العامل الجوهري، والمتطلب الأساس لمعالجتها وحلها، فالتفكير السليم يتطلب عقلًا جمعيًا وطنيًا متحررًا من الأنا والفئوية الضيقة، عقلًا يضع العبر المستخلصة من التجارب تحت المجهر، ويهيئ ما يلزم للانتصار بالقضايا وانتزاع الحقوق.