عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 23 أيلول 2026

المنطقة (ج).. القلب الاقتصادي المحتجز وعمود الدولة المستقبلية

هيثم خليل ربايعة

في المقال السابق، توقفنا عند الحاجز العسكري كضريبة صامتة تخصم من دخل الفلسطيني يوميا. لكن الحاجز ليس سوى العتبة الأولى لنظام اقتصادي أوسع. فخلف كل حاجز، تمتد مساحة تشكل 62 - 63%  من مساحة الضفة الفلسطينية المحتلة، تحت سيطرة إسرائيلية كاملة، وتعد المخزون الاستراتيجي للدولة الفلسطينية المستقبلية. هذه هي المنطقة (ج)، التي وصفها البنك الدولي بأنها "مفتاح التنمية الاقتصادية الفلسطينية مستقبلا".

 

كنز محتجز

المنطقة (ج) ليست مجرد ارض. فيها معظم الأراضي الزراعية الخصبة، خاصة في غور الأردن "سلة غذاء فلسطين"، والموارد الطبيعية من أملاح البحر الميت والحجر والمياه، والمواقع الأثرية والسياحية، والمساحات اللازمة للتوسع العمراني والصناعي.

وحسب التقرير الصادر عن مركز مدار في آذار من العام 2026، ورغم هذا الثراء، يعيش في المنطقة (ج) نحو 354,000 فلسطيني في 542 تجمعا سكانيا، مقابل نحو 540,000 مستوطن في ما يقارب 210 مستوطنات و130 بؤرة استيطانية ومزرعة، تزيد مساحة مناطقها البلدية تسع مرات عن المساحة المبنية فعليا. هذا الواقع الاستيطاني، الذي تؤكد منظمة التحرير الفلسطينية انه مخالف للشرعية الدولية، هو العقبة الكبرى أمام قيام دولة فلسطينية متواصلة الأطراف وقابلة للحياة.

 

الفاتورة المخفية.. ربع الاقتصاد محتجز

دراسة الأونكتاد (UNCTAD) قدرت التكلفة الاقتصادية للقيود على 30% فقط من المنطقة (ج) بنحو 25.3% من الناتج المحلي الإجمالي للضفة المحتلة. أي أن ربع الاقتصاد الفلسطيني محتجز خلف تصاريح البناء والوصول. والخسائر التراكمية أشد إيلاما: بين عامي 2000 و2024، خسرت الضفة 170.8 مليار دولار من الناتج المحلي المحتمل، أي ما يعادل 17 ضعف الناتج المحلي لعام 2024، فيما تشير تقديرات الأونكتاد الأوسع إلى خسارة 212.2 مليار دولار، أي 19.4 ضعف الناتج المحلي.

 

من الإنتاج إلى التبعية

القيود في المنطقة (ج) ليست منع بناء فحسب، بل آلية لإعادة هندسة الجغرافيا الاقتصادية.

تقرير مجموعة الأزمات الدولية الصادر في حزيران/يونيو 2026 تحت عنوان Chokehold: Countering Israel's Grip on the West Bank Economy  يؤكد أن الضفة تحولت إلى "جزر معزولة" بسبب الحواجز والبوابات الحديدية. هذه الإجراءات لم تعرقل حركة الأفراد فقط، بل رفعت تكاليف النقل والتوزيع بشكل كبير، وجعلت النشاط التجاري الداخلي محفوفا بالمخاطر وغير مجد اقتصاديا.

النتيجة: اقتصاد فقد مصادر نمو هائلة، وانحصر في جيوب ضيقة مزدحمة. وحين يمنع الفلسطيني من الوصول إلى أرضه في غور الأردن، أو من بناء مصنع في المنطقة (ج)، فإنه لا يمنع من مورد اقتصادي فحسب، بل من حق التنمية ذاته، وهو حق أكدت عليه منظمة التحرير الفلسطينية في برامجها المتعاقبة.

 

إنجازات رغم الحصار

رغم هذه القيود الخانقة، تمكنت السلطة الوطنية الفلسطينية، بقيادة منظمة التحرير، من بناء مؤسسات دولة على أرض الواقع في المناطق (أ) و(ب): وزارات، ومؤسسات أمنية وقضائية، وجهاز إحصاء مركزي، وبنية تحتية للتعليم والصحة. هذه المؤسسات، التي أرستها السلطة الفلسطينية في إطار المشروع الوطني، هي نواة الدولة الفلسطينية المستقبلية. لكنها تبقى مهددة ما لم تفتح المنطقة (ج)، وما لم يسمح للسلطة بممارسة سيادتها على كامل أراضيها. فالسلطة التي لا تصل إلى 60%  من أرضها، ولا تسمح لأبنائها بالبناء في مناطقهم، تظل سلطة بلا جغرافيا كاملة، ودولة بلا سيادة كاملة.

 

الحركة كسؤال سيادي

في المحصلة، المنطقة (ج) ليست "منطقة متنازع عليها"، بل العمود الفقري لاقتصاد محاصر. وحين نتحدث عن "تكلفة القيود"، لا ينبغي أن ننظر إلى الحواجز وحدها، بل إلى المساحة التي تحرم منها فلسطين يوميا. الحرية الاقتصادية تبدأ بحرية الحركة، والحركة تبدأ بالوصول إلى الأرض والموارد. وما لم تفتح المنطقة (ج)، ستبقى كل خطط التنمية حبرا على ورق، وسيبقى الاقتصاد الفلسطيني أسير جغرافيا مشوهة تنتج التبعية بدلا من الاستقلال.

إن القيادة الفلسطينية، بقيادة منظمة التحرير، تؤكد دوما أن المنطقة (ج) هي جوهر أي حل سياسي، وأن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود 1967 لن تتحقق إلا بإنهاء الاحتلال والاستيطان، وبفتح هذه المساحة الحيوية أمام شعبنا لبناء دولته ومستقبله.