القدس فوق كل الاعتبارات...
سؤال عالماشي- موفق مطر

كل العواصم والأوطان والبقاع عند شعوبها مقدسة، لكن (القدس) عاصمة فلسطين الدولة والوطن لا تشبهها عاصمة في العالم، فهي "اورسالم" مدينة السلام، وهي "يبوس" وأم المدائن، فهنا في القدس يرى الباحث عن تكامل الثقافات والحضارات ببصيرته ويلمس احجار شواهدها التاريخية، لكنها لا تعيش اليوم اسمها، فحكومة الصهيونية الدينية تكاد تغرقها بفيضان استيطان عنصري، وبمشاريع تهويد لطمس معالمها المتميزة، لا نظير لها حتى استحقت مسمى "أم المدائن" فهنا في القدس منظومة احتلال واستعمار وسياسة عنصرية، لا تحتمل رؤية تاريخ وثقافة وحضارة مجتمعة في مدينة واحدة، يحفظها ويحميها ويصونها معتقد إيمان أهلها بالسلام، ذلك أن الحرب –بكل مستوياتها واتجاهاتها- سبيل الصهيونية الدينية لفرض اجندتها على العالم، التي لا تستكمل إلا بالسيطرة على القدس بشرقها قبل غربها!
فمنذ اليوم التالي لاحتلالها -في الخامس من حزيران سنة 1967- دخلت الجرافات وراء الدبابات، وبدأت تنفذ مخططات محاصرة المدينة بمجمعات استيطانية كبيرة، وانشاء بؤر استيطانية بين احيائها لمنع التواصل الاجتماعي والاقتصادي، أما ذاكرة المكان التي كانت قد تعرضت للتشويه والشطب منذ ارهاصات بعض المستشرقين عن سابق تصميم وترصد، فقد استكملت العملية خلال العقود الماضية بشطب اسماء عربية وتاريخية دالة على تعاقب الحضارات، وإحلال اسماء توراتية وعبرية، لكن الثابت حتى الآن –حسب علماء الآثار الاسرائيليين انفسهم- أن دليلا أو أثراً واحداً لم يظهر رغم الحفريات تحت الأماكن المقدسة وبجوارها، وتحديدا تحت الحرم القدس والمسجد الأقصى.
وبالتوازي مضت خطة سلطات الاحتلال في تضييق طوق الحصار الاقتصادي، وليس منع التمدد العمراني للمقدسيين وحسب، بل زيادة وتيرة الهدم بحجة البناء دون ترخيص، وأخطر ما واجهه المقدسيون الخطط والإجراءات التي استهدفت مؤسساتهم التعليمية والثقافية والاجتماعية بالتوازي مع قرارات بسحب هويات، وعرقلة تسجيل مواليد جدد، وفرض قيود معيقة للإقامة الدائمة في المدينة، وكل ذلك باختلاق ذرائع لتبرير الاجراءات التمييزية للحالات المستهدفة.
علينا الاعتراف أن منظومة الاحتلال استطاعت خلال الـ25 سنة الماضية الاستفراد بالقدس، نتيجة سقوط جماعات فلسطينية مسيرة بأجندات خارجية (لا وطنية) في فخ الصراعات الداخلية، رغم محاولات القيادة الفلسطينية تجنبها، وإدراكها العميق والبعيد المدى لما يحدث، فكان وما زال تركيزها منصبا على القدس باعتبارها أم القضايا المركزية للشعب الفلسطيني، وثبتت مبدأ "لا دولة فلسطينية دون القدس" وهذا ليس موقفا سياسياً وحسب، بل لأن القدس جزء لا يتجزأ من العقيدة الروحية لكل فرد من الشعب الفلسطيني، علاوة على كونها المعيار الدقيق لمعنى الاستقلال.
ويستطيع كل باحث عن الحقائق أن يجد اصرار القيادة الفلسطينية على حضور القدس كعاصمة لدولة فلسطين، في قرارات الشرعية الدولية، وتكامل دوائر العمل على اعلى المستويات مع الأشقاء في المملكة الاردنية الهاشمية للحفاظ على وضع الأماكن المقدسة في المدينة.
كما يجب النظر بجدية لما تفعله حكومة الصهيونية الدينية في اسرائيل، بسعيها الدؤوب الى تحويل الحق الفلسطيني (القضية الفلسطينية) ونضال الشعب الفلسطيني لانتزاع حريته واستقلاله، ونقله إلى دائرة صراع ديني، حيث نشهد انجرار واندفاع قوى وجماعات تساندها دولة اقليمية (ايران) بهذا الاتجاه، مع التأكيد أننا لا نستبعد جهلها، أو ضعف بصيرة قادتها!!
ولهذا نرى ضرورة تحرير ملف القدس من ايدي المتاجرين والعابثين بمصيرها، من دول وجماعات وأحزاب تتخذ اسمها في شعارات ويافطات ومسميات جيوش وفيالق وغيرها لتحقيق اهداف فئوية، ولتمرير أجندات تمكنهم من بسط نفوذهم في المنطقة.. وهذا يتطلب وعيا وطنيا متقدما، يضع القدس فوق كل الاعتبارات، ويجنبها مخاطر الخلافات والأجندات الحزبية، والخطابات المنبرية اللاموضوعية واللامحسوبة أبعادها وتداعياتها، فالقدس جوهر البرنامج الوطني لحركة التحرر الوطنية الفلسطينية، وروح المشروع الوطني الفلسطيني، ومن يتخذها بغير هذا الاتجاه فإنه سيسهل على الصهيونية الدينية العنصرية مبتغاها وتحقيق اهدافها، ولا تحتاج لأكثر من رؤية واقعية عقلانية وقراءة عميقة لواقعها، حتى نستلهم ما يجب من أجل حمايتها، وكف شر التهويد والاستيطان عنها، وأطماع الصهيونية العنصرية فيها، فهم يقولون "من يسيطر على القدس يسيطر على الاقليم".
مواضيع ذات صلة
القدس فوق كل الاعتبارات...
قسم أبحاث الزيتون في مواجهة التغير المناخي.. هندسة المواجهة وحماية الإنتاج (4 من 10)
قطاع غزة والضفة.. والوحدة الممنوعة
الديمقراطية.. موالاة للوطن لا مراهقة سياسية
قسم أبحاث الزيتون.. الفجوة بين الواقع والمطلوب في البحث العلمي
فلسطين.. كما ترويها الإشعارات
غزة.. حين يصبح المواطن آخر من يُسأل