عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 18 تشرين الأول 2016

مدى كفاية القواعد القانونية الناظمة للمسؤولية المدنية عن الأخطاء الطبية

د. إيهاب عمرو

من الملاحظ حدوث أخطاء داخل المستشفيات (خصوصاً العامة منها) ينتج عنها حالات وفاة أو أضرار جسيمة بصحة المريض. والحقيقة أنه كانت تراودني منذ فترة ليست بالبسيطة فكرة كتابة مقالة تتناول تلك الموضوعة الهامة ذات العلاقة بمعظم شرائح المجتمع الفلسطيني، خصوصاً بعد وفاة شقيقتي المربية الفاضلة رحمها الله أثناء عملية ولادة داخل أحد المستشفيات العربية في مدينة القدس قبل عدة سنوات. وأبلغت من قبل والدتي التي كانت ترافقها أنها لاحظت أن الطبيبة المشرفة على الولادة لم يكن لديها الخبرة الكافية في التعاطي مع أية مفاجآت قد تحدث أثناء الولادة، وهو ما حدث فعلاً. وما حفزني على الكتابة أيضاً ما أثير مؤخراً من قبل وسائل الإعلام حول ما حدث لمواطنة فلسطينية في أحد المستشفيات العامة جنوب الضفة، وأدى إلى وفاتها.

ولعل البعض يطرح تساؤلات حول مدى كفاية القواعد القانونية الناظمة للمسؤولية المدنية عن الأخطاء الطبية، في حين أن البعض الآخر يجزم بعدم كفايتها ويكون محقاً في ذلك. ويذهب فريق ثالث إلى عدم وجود تلك القواعد أصلاً في النظام القانوني الفلسطيني كون القواعد الموجودة لا تتناول مسائل الأخطاء الطبية حصراً وإنما تعتبر جزءاً من القواعد العامة التي تنطبق على مجموعة مسائل، من ضمنها تلك المتعلقة بالأخطاء الطبية.

إن الإطار القانوني الذي يحكم مسائل الأخطاء الطبية التي توجب المسؤولية المدنية يستند بشكل رئيسي إلى الفعل الضار كمصدر من مصادر القانون التي يستقي منها القاضي حكمه، وأساسه أحكام المسؤولية التقصيرية المتمثلة في الخطأ والضرر وعلاقة السببية التي تستوجب التعويض. ونجد قواعد المسؤولية التقصيرية عن الفعل الضار في بعض نصوص القانون المدني (مجلة الأحكام العدلية والقانون المدني الأردني) ذات العلاقة بالخطأ والضرر، الإهمال والتقصير. وهذا معروف لمعظم الزملاء والزميلات في الحقل القانوني.

 كذلك، نجد بعض تلك القواعد الناظمة لمسائل المسؤولية التقصيرية، ومن ضمنها مسائل الأخطاء الطبية، في قانون المخالفات المدنية الإنتدابي ساري المفعول رقم (36) لعام 1944، مثل المادة (50) منه والتي تتحدث عن الإهمال. وتنص المادة سالفة الذكر على ما يلي:

 "(1) كل من سبب، بإهماله، ضرراً لشخص آخر هو مدين له بواجب يقضي عليه بألا يكون مهملاً تجاهه في الظروف التي وقع فيها الإهمال، يعتبر أنه ارتكب مخالفة مدنية، ويكون الشخص مديناً بهذا الواجب لجميع الأشخاص الذين ينتظر من شخص عاقل أن يتوقع تضررهم من جراء الإهمال، وإلى صاحب أي مال يتوقع في مثل تلك الظروف، تضرره بسبب الإهمال...(2) إذا ثبت في دعوى الإهمال أن الضرر اللاحق بالمدعي قد تسبب عن مجرد إهمال المدعى عليه، فيحق للمدعي أن يستحصل على تعويض تام من المدعى عليه...".

في الواقع العملي، تقوم المحاكم الفلسطينية بالتعويض عن الأضرار الناشئة عن الأخطاء الطبية إستناداً إلى قواعد المسؤولية التقصيرية الواردة في قانون المخالفات المدنية الإنتدابي سالف الذكر. نورد على سبيل المثال لا الحصر القرار الصادر عن محكمة بداية رام الله الموقرة نهاية العام 2009 القاضي بتعويض المدعي بمبلغ وقدره 55264 ديناراً أردنياً عن أضرار جسدية نتيجة خطأ طبي وقع في العام 1999 من قبل طبيب في مدينة رام الله، وطبيبين آخرين في إحدى مستشفيات مدينة الخليل، حيث تحمل مسؤولية الخطأ بالتضامن والتكافل الأطباء الثلاثة إضافة إلى المستشفى التي يعمل فيها الطبيبين الثاني والثالث، كون ان الخطأ المذكور قد أدى الى عاهة دائمة للمدعي وهي شلل كامل في القدمين وضمور وترهل بعضلات الساقين وعدم القدرة على التوازن وعدم السيطرة الكاملة على البول والبراز وعدم الاحساس في الجزء السفلي في جسده ومشاكل صحية في المثانة والامعاء واضرار معنوية ستستمر مدى الحياة. وإستندت المحكمة الموقرة في قرارها إلى أحكام المادة (50) من قانون المخالفات المدنية رقم 36 لعام 1944 سالف الذكر ذلك أنه في حالة التقصير والإهمال من قبل الطبيب وعدم اتخاذه الحيطة والحذر في ممارسة عمله يكون قد ارتكب مخالفة مدنية بالمعنى المنصوص عليه في المادة المذكورة.

وقامت المحكمة الموقرة بتأسيس قرارها أيضاً على أحكام المادة (12) من قانون المخالفات المدنية ساري المفعول بالنسبة للطبيبين الثاني والثالث والتي تنص على تبعة المخدوم عن أفعال خادمه متى كان الفعل قد ارتكبه الخادم في سياق العمل الموكول إليه. ويعتبر الخادم أنه ارتكب الفعل في سياق العمل الموكول إليه، إذا كان قد أتى ذلك الفعل بصفته خادماً وخلال تأدية واجبات عمله العادي أو الواجبات المتفرعة عن عمله، حتى ولو كان الفعل عبارة عن قيامه بفعل أجازه المخدوم، على غير وجهه الصحيح، أما إذا كان الخادم قد ارتكب الفعل بغية تحقيق مآربه الخاصة، لا بالنيابة عن مخدومه، فلا يعتبر أنه أتى ذلك الفعل في سياق العمل الموكول إليه.

وأشارت المحكمة الموقرة في حيثيات قرارها إلى أن المدعى عليهم جميعاً مسؤولين بالتكافل والتضامن عن تعويض الأضرار التي لحقت بالمريض (المدعي) إستناداً لأحكام المادة (10) من قانون المخالفات المدنية سالف الذكر والتي تنص على أنه إذا اشترك شخصان أو أكثر في تبعة فعل بمقتضى أحكام هذا القانون، وكان ذلك الفعل يؤلف مخالفة مدنية، يتحمل ذانك الشخصان أو أولئك الأشخاص تبعة ذلك الفعل بالتضامن، وتجوز إقامة الدعوى عليهما أو عليهم مجتمعين أو منفردين.

خلاصة القول: لا يوجد فراغ تشريعي كامل فيما يتعلق بالإطار القانوني الذي يحكم المسؤولية المدنية عن الأخطاء الطبية. ويكمن الإطار القانوني الذي يحكم تلك المسؤولية في القواعد العامة الواردة في القانون المدني المطبق وفي قانون المخالفات المدنية الإنتدابي ساري المفعول. والحقيقة تبقى أنه ورغم عدم وجود قواعد خاصة ناظمة لمسائل المسؤولية المدنية عن الأخطاء الطبية التي تحدث إما داخل المستشفيات العامة أو داخل المسشتفيات والعيادات الخاصة إلا انه لا يمكننا الجزم بوجود فراغ تشريعي أو عدم وجود قواعد قانونية تمكن الطرف المتضرر (المريض) من متابعة حقه في الإدعاء أمام الجهات القضائية المختصة، وبالتالي الحصول على التعويض المناسب في حالة وقوع الضرر وثبوته بموجب قرار صادر عن المحكمة المختصة.

إن كل من لحق به ضرر نتيجة خطأ طبي لديه الحق في اللجوء إلى القضاء والحصول على النصفة القانونية المتمثلة أساساً في التعويض، عطفاً على حكم المادة (3) من قانون المخالفات المدنية ساري المفعول التي تتناول تعريف الحق في الحصول على النصفة القانونية التي يخولها القانون لكل من لحق به أذى أو ضرر بسبب مخالفة مدنية إرتكبت في فلسطين، وذلك من الشخص الذي إرتكب تلك المخالفة أو من المسؤول عنها. وكذلك عطفاً على أحكام الفصلين الرابع والخامس من ذات القانون التي تتناول تنظيم مسائل النصفة في المخالفات المدنية وصلاحية المحكمة في تقديرها.

إن منح المتضرر النصفة التي يخولها القانون له عند حدوث الضرر وثبوته يعد تعويض بسيط بالمقارنة مع الضرر المادي والمعنوي الذي يكون قد لحق به. إضافة إلى أن قيام المدعي بمثل تلك المطالبة سوف يؤدي إلى بالضرورة إلى قيام المستشفيات عموماً والأطباء خصوصاً بإتخاذ ما يلزم من وسائل الحيطةوالحذر سواء في مرحلة التشخيص ووصف العلاج أو في مرحلة إجراء العمليات ما يساهم في التقليل من حدوث تلك الأخطاء الناتجة عن الإهمال الطبي مستقبلاً.

من نافلة القول، تقوم بعض الدول الغربية، كاليونان مثلاً، بالتمييز بين الأخطاء الطبية التي تحدث داخل المستشفيات العامة وتلك التي تحدث داخل المستشفيات والعيادات الخاصة. حيث إن الأخطاء الطبية التي تحدث داخل المستشفيات العامة توجب المسؤولية القانونية الإدارية للمستشفى الذي حدثت فيه المخالفة. بمعنى أن الطرف المتضرر يتوجب عليه في تلك الحالة إقامة الدعوى أمام المحكمة الإدارية المختصة والمطالبة بالتعويض. وتستطيع المحكمة الإدارية أن تفصل بذات المسائل التي يمكن للمحكمة المدنية أن تفصل فيها وأن تحكم بالتعويض عن الخطأ الطبي متى ثبت حدوثه. في حين أن الطرف الذي لحق به ضرر من طبيب يعمل في مستشفى خاص أو في عيادة خاصة يتوجب عليه اللجوء إلى المحكمة المدنية والمطالبة بالتعويض عن ذلك الضرر.