عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 03 شباط 2026

ما يعتبره الوطنيون خطأ تعتبره حماس نجاحا؟؟!!

باسم برهوم

عند إعادة قراءة مقالي السابق الذي حمل عنوان "تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية"، اكتشفت أنني قد تناقضت مع نفسي. ففي حين كتبت أن حماس ليست تنظيما وطنيا كما هو حال فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وأن هذا التنظيم جزء من التنظيم الدولي لجماعة الإخوان. وبالتالي هو جزء من إستراتيجية الجماعة وحلفائها ومشغليها، فإنني تعاملت عند تقييم الأفعال كما وكأن حماس تنظيم وطني، وهذا لا ينسجم مع الواقع إطلاقا. على سبيل المثال، فإن ما قامت به حماس مثل انقلابها على الشرعية الوطنية في قطاع غزة عام 2007. أو الطوفان، أو تماهيها مع نتنياهو في إفشال اتفاقيات أوسلو، وإضعافهما للسلطة الوطنية، في واقع الأمر إن ما يراه الوطنيون الفلسطينيون أخطاء قاتلة، فإن حماس لا تراه كذلك. بل هي ترى أنها مهام وأدوار أوكلت إليها من الجماعة والحلفاء، وهي قامت بها على أحسن وجه.

منذ تأسيسها عام 1988، لم تقل حماس ولو لمرة واحدة أنها أخطأت في أي من أفعالها وفي كل المراحل. لم نقرأ ولم نسمع أن حماس قد اعتبرت قيامها بشرذمة الحالة الوطنية خلال الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الأولى بأنه خطأ، عندما رفضت الانضمام للقيادة الوطنية الموحدة، وكانت تعلن إضراباتها في أيام غير تلك التي تعلنها القيادة الموحدة، مما استنزف الاقتصاد الفلسطيني، وقدم لدولة الاحتلال ورقة مهمة للعب على التناقضات الداخلية، فهي رأت في ذلك دورا قامت به. كما لم تر حماس خلال تماهيها مع اليمين المتطرف الإسرائيلي، وبالتحديد مع نتنياهو، في إفشال اتفاقيات أوسلو، أو أنها كانت سببا في فوز هذا اليمين في انتخابات عام 1996، الذي كان برنامجه تدمير أوسلو وإضعاف السلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية.

حماس وكما اليمين المتطرف الإسرائيلي، رأت في اغتيال إسحاق رابين في الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر1995 فرصة لإنهاء أوسلو، كما ساهمت عملياتها التفجيرية في فوز نتنياهو، وما إن فاز هذا الأخير حتى أوقفت حماس وبشكل غريب هذه العمليات كليا، لأنها تدرك أن حكومة اليمين ستقوم بالعمل الضروري لإنهاء اتفاقيات أوسلو، وما  إن فاز حزب العمل في انتخابات ربيع عام 1999 عادت حماس للعمليات التفجيرية. ولعل قرار حماس المشاركة في الانتخابات التشريعية عام 2006 هو من أكثر القرارات مثارا للتساؤلات، من حيث التوقيت ومن حيث قبولها المفاجئ أن تكون جزءا من "سلطة أوسلو"، ولكن عندما ندقق في الأمور، نجد أن منبع القرار هو التوجه الأميركي في حينه لإحداث الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط، وإدخال الإسلام السياسي في "العملية الديمقراطية"، كما ساد الاعتقاد لدى جماعة الإخوان وحلفائها أن فتح والسلطة الوطنية في أضعف حالاتهما بعد إعادة احتلال الضفة على يد شارون خلال عملية " السور الواقي"، ووصول مسار أوسلو إلى نهايته كمشروع سلام فلسطيني إسرائيلي.

بالنسبة لحماس، فإن كل ما قامت به هو مهام انطلاقا من كونها جسما موازيا لمنظمة التحرير الفلسطينية ونقيضا لها. دورها في شق الساحة الفلسطينية منذ تأسيسها، دورها في التقاطع مع اليمين المتطرف الإسرائيلي لإنهاء مسار أوسلو، ودورها في قلب أمور الساحة الفلسطينية رأسا على عقب عندما قررت خوض الانتخابات على أساس قانون يستند إلى اتفاقيات أوسلو وتعارضه وتسعى للإجهاز عليه في الوقت ذاته. واستكملت حماس دورها ومهمتها بالانقلاب العسكري الدموي في قطاع غزة، والذي مثل بداية لفصل القطاع عن الضفة، وبذلك وضعت نفسها في ذات المركب مع اليمين المتطرف الإسرائيلي الذي يعتبر منع قيام دولة فلسطينية هدفا مركزيا له.

لم تتوقف حماس. فقد واصلت دورها في تعميق الانقسام الداخلي وفصل القطاع فأنشأت هناك كيانا مختلفا تماما في مضمونه وتوجهاته عن فكرة الدولة الوطنية الفلسطينية، كما افتعلت حماس حروبها مع إسرائيل كجزء من إستراتيجية إخوانية وحلفهم الدولي والإقليمي، وهو مسار قاد في نهاية الأمر إلى الطوفان ونكبة قطاع غزة ونكبة القضية الفلسطينية.

المسألة غاية في الوضوح، لمن يريد أن يراها، فمنطلقات حماس وأهدافها لا علاقة لها بالمنطلقات والأهداف الوطنية، أو بالمشروع الوطني الفلسطيني، لأن مشروعها هو مشروع الإسلام السياسي. فالفكرة من وراء  تأسيسها هي لتكون بديلا للوطنية الفلسطينية، لمنظمة التحرير، أو كيانا يستنزف هذه الوطنية ويضعفها، وبهذا لا تختلف حول هذا الهدف عن اليمين المتطرف الإسرائيلي، لذلك في تقييم حماس لما قامت به من  أدوار قد أوكلت إليها وبالتالي فإن أفعالها، من وجهة نظرها، ليست أخطاء كما يعتقد الوطنيون الفلسطينيون. والنتائج، نتائج هذه الأفعال والأدوار هي خير دليل، فالمشروع الوطني برمته أصبح في خطر حقيقي، والقضية الفلسطينية تمر بأسوأ أحوالها هذه هي نتائج أفعال حماس التي نراها نحن أخطاء وهي تراها نجاحات للدور المنوط بها. وهذا فرق جوهري بينها وبين الوطنيين الفلسطينيين.