عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 31 كانون الثاني 2026

تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية

باسم برهوم

مهما حاولت حماس التهرب، أو التنصل من نتائج أفعالها منذ تأسيسها عام 1988. او التستر على تاريخها الشاذ عن الحالة الوطنية،  فإن هذه النتائج يلمسها كل فلسطيني بشكل مر وقاسٍ  في الواقع المريع، الفاجعة التي حلت بقطاع غزة على صعيد حياة الناس أو على الصعيد السياسي،  والمصير الذي آلت اليه القضية الفلسطينية، المهددة للمرة الأولى في تاريخها بالتصفية الكاملة أمام أعيننا، حماس تقبل اليوم بالاستسلام التام للولايات المتحدة وإسرائيل، تقبل بتجريدها من سلاحها، والخروج من المشهد السياسي، في حين لم تكن تقبل قطعيا، وعلى امتداد عقود، فكرة سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد، خصوصا عندما كان هذا الطلب يأتيها من السلطة الوطنية الفلسطينية، حماس رفضت كل المحاولات لإنهاء الانقسام وإعادة القطاع للشرعية الوطنية الفلسطينية، واليوم توافق على ان يصبح القطاع تحت الوصاية الدولية. ومستقبله ومصيره من الناحية الواقعية مجهول، والاسئلة بشأنه تزداد وبلا إجابات قاطعة.

صحيح  أن هجوم حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر عام 2023، "الطوفان" هو خطأ حماس القاتل. ولكن خيار حماس ان تتبادل مع اليمين الإسرائيلي المتطرف المصالح بهدف إفشال اتفاقيات أوسلو. وأن تختار رقص التانغو مع  نتنياهو على حساب القضية الفلسطينية هو الخطأ الاستراتيجي الذي جلب كل الأخطاء اللاحقة، وأبرزها الطوفان والانقسام، وابقاء الساحة الفلسطينية متشرذمة مستنزفة داخليا. وابقاء قطاع غزة مفصولا عن الضفة وهو الفصل الذي انسجم تماما مع هدف نتنياهو واليمين المتطرف الإسرائيلي في منع قيام دولة فلسطينية.

حماس، التي هي فرع من  فروع التنظيم الدولي لجماعة الاخوان المسلمين، تم التفكير بتأسيسها اميركيا وإقليميا لتكون بديلا عن منظمة التحرير، او جسما موازيا لها والهدف هو إرهاق الحالة الوطنية الفلسطينية، وفي نهاية المطاف، وكما نرى نتيجة ذلك اليوم،  فقد نجح من صمم هذا المخطط نجاحا باهرا.

ماذا يقول لنا تاريخ حماس منذ تأسيسها عام 1988، وما هي النتائج النهائية لهذا التاريخ؟

في ثمانينيات القرن العشرين، وحتى منذ السبعينيات، كانت دوائر دولية وإقليمية، وفي طليعتها إسرائيل، منشغلة في محاولات لخلق بديل او بدائل لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي اصبحت بعد نضال وكفاح طويل الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وانتزعت في العام 1974 اعترافات عربية ودولية بهذا الشأن. وفي ذروة الانتفاضة الفلسطينية الشعبية الاولى نهاية الثمانينيات، ومع احتمال ان يقطف الشعب الفلسطيني ثمار تضحياته وكفاحه، وبعد فشل مخططات البدائل للمنظمة، تأسست حماس كجسم سياسي موازٍ ومنافس، ويمكن لمس هذه الحقيقة عبر التطورات اللاحقة:

اولا: حماس لها جذر مختلف عن كافة فصائل منظمة التحرير، التي هي فصائل وطنية او لها عقيدة قومية او يسارية، الا ان منطلقاتها كانت في العموم وطنية، حماس ذات جذر إخواني، اي انها جاءت من الاسلام السياسي، حتى ان اسمها لا يتضمن اي إشارة لفلسطين، كما باقي فصائل منظمة التحرير، وجاء اسمها "حركة المقاومة الإسلامية".

ثانيا: حتى قبل أوسلو، الذي اصبح لاحقا حجة حماس لعدم الالتحاق بمنظمة التحرير، فإن هذا التنظيم الاخواني الموازي، رفض كل دعوات ياسر عرفات وعروضه السخية للمشاركة في المنظمة، وواصلت حماس هذه السياسة في كافة المراحل وحتى اللحظة، بل انها ساهمت بجهد كبير في التشكيك وتشويه صورة المنظمة وإضعافها.

ثالثا: رفضت حماس كل الدعوات للانضمام للقيادة الوطنية الفلسطينية الموحدة للانتفاضة الاولى، وعمليا قامت بشق الصف والوحدة الفلسطينية ميدانيا عندما كانت تصر ان تعلن ايام اضراب مختلفة عن تلك التي كانت تعلنها القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة، والتي كانت تضم كافة فصائل منظمة التحرير، ما استنزف الشعب الفلسطيني اقتصاديا وكفاحيا. وقدم خدمة للاحتلال الإسرائيلي.

ثالثا: بعد توقيع المنظمة اتفاقيات اوسلو، بهدف استثمار الانتفاضة سياسيا، بدأت حماس رقصة التانغو مع اليمين المتطرف الإسرائيلي، مع نتنياهو تحديدا الذي تقاطع هو وحماس بالمصالح في إفشال أوسلو وتدميره نهائيا، وفي العداء للوطنية الفلسطينية، وكنا نلاحظ توقيت عمليات حماس الانتحارية، والتي كانت إما لتعطيل مرحلة من مراحل انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي بموجب الاتفاق، أو عشية انتخابات إسرائيل لتسهم في حظوظ اليمين للفوز.

انقلاب حماس على الشرعية الوطنية في قطاع غزة عام 2007 كان واحدا من أبرز محطات التماهي مع نتنياهو وهدفه المركزي في منع قيام دولة فلسطينية.

رابعا: رفضت حماس على امتداد 18 عاما، وافشلت كل المحاولات والجهود لإنهاء فصل قطاع غزة عن الضفة وانهاء سيطرتها المنفردة على القطاع، وكانت ترفض كل الدعوات بان يكون للشعب الفلسطيني سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد.

خامسا: المستفيد من كل حروب حماس السبع في قطاع غزة هو اليمين المتطرف الإسرائيلي، والتنظيم الدولي لجماعة الاخوان، الاول هيمن تماما على المجتمع الإسرائيلي، والتنظيم الدولي عزز شعبيته في الشارع العربي والإسلامي على حساب الدم الفلسطيني، كما سيطر على كل أموال التبرعات، التي كان من المفترض أنها ملك للشعب الفلسطيني في قطاع غزة، الذي دمرت حياته بالكامل، لذلك لم يكن غريبا ان يسهل دخول الاموال القطرية لحماس في غزة، ويمنع أموال المقاصة عن السلطة الوطنية.

لنتابع معا كيف تصرفت حماس وكيف تصرف نتنياهو في قضية آخر جثة للمحتجز الإسرائيلي، الشرطي ران غويلي، حماس كانت تعلم تماما مكان دفن الجثة، ولكن لمصالح تكتيكية خاصة بها اخرت التسليم، خلال ذلك قتل نتنياهو عشرات الفلسطينيين، ودمر ونسف مئات المنازل، وفي الايام الاخيرة نبش جيش الاحتلال 700 قبر فلسطيني بحثا عن جثة غويلي، حماس مستفيدة ونتنياهو مستفيد. والضحية الشعب الفلسطيني.

الشعب الفلسطيني الذي يسأل هل من خلاص؟ متى يتوقف تناغم مصالح حماس مع مصالح نتنياهو؟

برأي قسم كبير من الفلسطينيين، فإن رقصة تانغو حماس مع نتنياهو لا تزال متواصلة وإن بأشكال مختلفة.