العالم العربي في القرن الحادي والعشرين
ثقافة محبطة.. طاقة سلبية.. وأمن مفقود
د. ايهاب عمرو
يعيش معظم العالم العربي منذ بداية القرن الحادي والعشرين حالة من التشرذم والضياع قد تصعب على البعيد قبل القريب. ولعل المراقب للمنطقة العربية يلاحظ تفشي تلك الحالة السلبية، إضافة إلى تعدد الأزمات المالية، الاقتصادية، السياسية، والبيئية في تلك المنطقة ذات الأهمية الإستراتيجية من الناحية الجيوسياسية، ناهيك عن مشاكل الفقر والتخلف والأمية.
إن إطلالة موجزة على ما يعايشه ويعاني منه العالم العربي اليوم كفيل بأن يدق ناقوس الخطر حول المستقبل القاتم المجهول الذي ينتظرنا، ما يستدعي منا جميعاً في مختلف القطاعات الرسمية، الخاصة، الشعبية والأهلية العمل على تدارك الثغرات وتجاوز العثرات ونبذ الخلافات لايجاد الحلول الجذرية، لا التجميلية، لكافة لمشاكل القائمة، والتي تعاني منها الأجيال الحالية والصاعدة، كما سوف تعاني منها الأجيال القادمة في حالة عدم وضع الحلول العملية المناسبة موضع التنفيذ.
و يتساءل البعض البعيد كما القريب عن سبب تلك الأزمات المتلاحقة التي تعصف بالمنطقة العربية منذ زمن، والتي ازدادت حدتها منذ بداية القرن الحادي والعشرين. كما قد يتساءل البعض عن سبب عدم إيجاد حلول لتلك الأزمات في منطقة تعد من أغنى مناطق العالم من حيث الموارد الطبيعية.
للإجابة عن التساؤلات المطروحة، أود أن أشير ابتداء إلى أن هناك أسبابا داخلية، وخارجية. ولعل القاصي والداني يعلم الأسباب الخارجية التي ساهمت في إيصال المنطقة العربية إلى تلك الحالة المزرية من الضعف الاقتصادي والسياسي والتشتت الفكري والانغلاق الحضاري.
إن بعض الأسباب الداخلية الكامنة وراء تلك الأزمات المتلاحقة تكمن، إضافة إلى الأسباب الخارجية، من وجهة نظري المتواضعة، في ضعف المنطلقات الفكرية في عموم العالم العربي، حيث إن ضعف المنطلقات الفكرية السائدة أدى وسوف يؤدي بالضرورة إلى إحلال ثقافة محبطة تعرقل النجاح الفردي والجمعي وتكبح التطور المجتمعي ما يؤدي إلى أن تسود الثقافة المحبطة التي يجب ألا تسود في المجتمع المثالي. من ذلك مثلا، عدم وجود ثقافة داخل المجتمعات العربية تتفهم أو تساهم في تعزيز البحث العلمي كوسيلة للتقدم المجتمعي المبني على أسس علمية صحيحة، بعيداً عن الارتجالية والأهواء الشخصية، خصوصاً أن البحث العلمي، والذي يعد جزءاً لا يتجزأ من الاقتصادي المعرفي، يمكنه أن يساهم في حل كثير من المشاكل العالقة سواء كانت سياسية، اقتصادية، مالية، بيئية، وحتى قانونية أو دستورية.
أيضاً، فإنه لا يوجد استثمار للطاقات الإيجابية الموجودة في العالم العربي، بحيث يتم إهدار تلك الطاقات دون استثمارها بشكل جيد كما يحدث في دول العالم المتحضر. ولعله من المفيد في هذا الصدد التركيز على الأجيال الصاعدة وتوجيهها نحو التعليم المهني، خصوصاً في ظل ندرة الوظائف في سوق العمل مقارنة مع الأعداد الكبيرة للخريجين والخريجات من مختلف الجامعات. ويحضرني في هذا السياق النموذجين الألماني والنمساوي، حيث تبلغ نسبة الطلبة الذين يقومون بإكمال دراساتهم الثانوية والجامعية نسبة قليلة قد تصل إلى الربع في أحسن الحالات، ما يعني أن ثلاثة أرباع الطلبة يتوجهون إلى تخصصات مهنية يحتاجها سوق العمل من شركات وبنوك ومصانع. واطلعت بشكل مباشر على تلك التجارب المميزة في كلتا الدولتين ولاحظت إلى أي حد يمكن أن يساهم ذلك في تقليل نسبة البطالة، وإنشاء مجتمع أكثر إنتاجية وأشمل تخصصية.
إن ذلك يستدعي توجيه الدعم وإيجاد الميزانيات اللازمة لإنشاء معاهد ومراكز وجامعات تعنى بالتعليم المهني. ولا نرى صعوبة في ذلك كون أن مبالغ باهظة من ميزانيات معظم الدول العربية تخصص لقطاع الأمن دون نتائج تذكر، حيث إن المنطقة العربية تعد من أقل المناطق أمناً على مستوى العالم رغم كبر حجم الميزانيات المخصصة للأمن والدفاع. ولعله من المفيد توجيه بعض تلك الأموال للتنمية الاقتصادية والمجتمعية ما يساهم في حل المشاكل القائمة، وإيجاد فرص عمل إضافية للخريجين والخريجات، وتأمين مستقبل الأجيال الواعدة جلباً للمنافع ودرءاً للمفاسد.