نبض الحياة - صبرا وشاتيلا ووحشية المجزرة
عمر حلمي الغول
مخيمان فلسطينيان صغيران يقعان في الجنوب الغربي من بيروت. ولدا من رحم نكبة الشعب الفلسطيني بعد العام 1948. حملا إسوة بكل مخيمات الداخل والشتات تراجيديا الطرد والتشريد والاضطهاد من الاعداء الصهاينة، وويلات العذاب من بعض الاشقاء في لبنان وغيره من بلاد العرب. وبقي سكانهما من اللاجئين يحلمون بالعودة للوطن الام فلسطين، رغم مرور العقود العجاف، وغياب عمليات التحرير الرسمية. وحتى اليوم المعاش لم يغادر حلم العودة اي من ابناء فلسطين في اي بقعة من العالم خاصة في لبنان وسوريا.
صبرا وشاتيلا كان عليهما ان يتحملا دفع فاتورة الانتقام الاسرائيلية الكتائبية والقوات اللبنانية الانعزالية، وردا على بسالة وشجاعة ابطال الثورة الفلسطينية والقوات المشتركة في صد الحرب الاسرائيلية الانعزالية البربرية والوحشية طيلة ثلاثة أشهر من الرابع من حزيران حتى مطلع ايلول 1982، في ظل صمت عربي وعالمي رسمي مخز. حيث كان القرار اتخذ بتصفية البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان. لكن ابطال القوات المشتركة الفلسطينية اللبنانية وحكمة وصلابة إرادة القيادة أفشلتا المخطط والمؤامرة. وبعد خروج ابطال الكفاح العنيد في ساحات المواجهة في بيروت البسالة والطهارة والعروبة الحقة من لبنان، قامت قوات الجيش الاسرائيلي بقيادة القاتل السفاح شارون، وزير الدفاع الاسرائيلي آنذاك وبالتعاون مع القوات اللبنانية الانعزالية المجرمة بقيادة بشير الجميل ومساعديه سمير جعجع وإيلي حبيقة وغيرهم وتحت جنح الظلام بارتكاب مجزرة ومذبحة العصر في المخيمين الصغيرين، حيث استباحوا حوالي خمسة آلاف من ابناء الشعب الفلسطيني، وبقروا بطون النساء الحوامل والاطفال والشيوخ والشباب.
كانت المذبحة الاسرائيلية اللبنانية للفلسطينيين العزل قبل اربعة وثلاثين عاما خلت وصمة عار على جبين إسرائيل وحلفائها من الانعزاليين والعرب الرسميين وقادة أميركا واوروبا الغربية، لأن المجزرة ارتكبت تحت سمع وبصر العالم كله وعلى مرآى من اقماره الصناعية واجهزة امنه، التي كانت تتابع دقائق وتفاصيل ما يجري على الارض اللبنانية. ارادوا من المجزرة إضافة للنكبة الجديدة عبر عملية طرد او ترحيل إرادية للفلسطينيين جميعا من لبنان، إخضاع القيادة الفلسطينية للاستسلام والقبول بمشيئة العدو الاسرائيلي، الذي هُّزم على ابواب بيروت في المتحف والحدث وحي السلم وكل مواقع التماس.
لكن المذبحة الوحشية والجبانة لم تفت في عضد القيادة والشعب الفلسطيني. وواصلوا مشوار التحدي والبطولة من الساحات والميادين، التي توزعوا عليها خاصة من مركز القرار والقيادة في تونس. ودع الفلسطينيون شهداءهم ضحايا المجزرة، ولم يرفعوا راية الاستسلام والذل لا للعرب الرسميين ولا لإسرائيل ولا لادارة ريغان الاميركية وقتئذ. ودافعوا عن حقوقهم واهدافهم الوطنية، كما يجب ويليق بكفاحهم التحرري. وتابع ابناء فلسطين قيادة وشعبا وانصارهم ملاحقة مجرمي الحرب الاسرائيليين واللبنانيين، الذين ارتكبوا المجزرة. ولم تنته عملية الملاحقة لهم إلى يوم الدنيا هذا. ويخطئ من يعتقد ان الشعب الفلسطيني نسي او تناسى ضحايا المذبحة في صبرا وشاتيلا او غيرها من المجازر المعلومة او غير المعلومة. فالدم الفلسطيني خط احمر. ومن قتل فلسطينيا يوما ما، سيلاحق وفق معايير القوانين والمواثيق الدولية كمجرم حرب ايا كانت هويته او جنسيته وخاصة من الاسرائيلين والبريطانيين زمن الانتداب والاوروبيين والاميركيين عموما.
شهداء صبرا وشاتيلا، مازالوا في الوجدان الشعبي الفلسطيني والعربي والعالمي المساند والداعم لحقوقهم الوطنية في تقرير المصير والحرية والاستقلال والعودة. وسيبقوا عنوانا من عناوين الكفاح للنيل من قتلتهم الاحياء والاموات. ولعبة السياسة وضروراتها لا تسقط الحق الفلسطيني بالتقادم. والعار سيغطي رأس قادة دولة التطهير العرقي الاسرائيلية ما بقيت موجودة.