تغريدة الصباح- هل الأدباء بشر؟
محمد علي طه
لم أستغرب ضعف الكاتب المصريّ أحمد أمين (1886-1954) أمام العينين النّجلاوين السّاحرتين اللّتين حبا الخالق بهما طالبته الأجنبية التي كان يعلّمها اللغة العربيّة وتقول له: "عينكم تقتلني" مستصعبةً لفظ حرف العين فيتمتم الكاتب الأديب "وعينكم تقتلني أيضًا"، كما ذكر تلميذه الوفيّ الكاتب الفلسطينيّ المقدسيّ إسحاق موسى الحسينيّ (1904-1990) في مقالته الجميلة "هل الأدباء بشر؟" فضعف الرّجل أمام جمال المرأة أمرٌ بدهيٌّ وإنسانيّ خلّدته الأساطير القديمة والآداب والفنون العالميّة، شعرًا ونثرًا ونحتًا ومسرحًا وملاحم، والفنّان إنسانٌ مرهف الحسّ يبهره جمال المرأة مثلما يسحره جمال الطّبيعة، والأدباء بشرٌ يحبّون ويكرهون، يفرحون ويحزنون، يصمدون ويضعفون، يسالمون ويخاصمون، يأكلون ويجوعون، يفون ويغدرون وهلمّجرّا، ولكن ما حدث وما جرى بين صاحب جائزة نوبل (1982) الكاتب الكولومبيّ العالميّ الكبير غابرييل غارسيا ماركيز (1927-2014) وبين الكاتب الأوروغويانيّ العالميّ الكبير ماريو بارغاس يوسا (1936-...) الذي نال جائزة نوبل أيضا (2010) أدهشني وفاجأني حتّى أني ردّدت: الأدباء بشر، الأدباء بشر!!
عاش الأديبان الصّديقان اللدودان في ثمانينيات القرن الماضي في مدينة مكسيكو ستي عاصمة دولة المكسيك هاربين من النّظامين الدّكتاتوريّين في بلديهما. وتروي صديقتهما الصّحفيّة والأديبة المكسيكيّة إلينا فونييتو بيسكا المعروفة باسم الدّلع "فوني" أنّ زوجة الكاتب ماريو يوسا اكتشفت أنّ لزوجها عشيقة ومن الطّبيعيّ أن تُصدم وتغار وتحزن وتغضب ثمّ أن تلجأ إلى صديق زوجها الكاتب غابرييل غارسيا ماركيز وتشاوره بسلوك زوجها وتشكوه إليه فنصحها بان تتركه عقابًا له على خيانته لها.
علم الأديب يوسا بالأمر فذهل من نصيحة صديقه القاسية لزوجته وغضب غضبةً أميركيّة جنوبيّة كتمها في قلبه.
تكتب الأديبة فوني في مذكّراتها: بعد أيّام جرى في احدى قاعات مكسيكو ستي عرض احتفاليّ لفيلم سينمائيّ كتب السّيناريو له الأديب يوسا، وحضر الاحتفال لفيفُ من الأدباء والشّعراء والممثلّين والصّحفيّين وغيرهم. وكالعادة كما يجري في نهاية كلّ عرض احتفاليّ توجّه الأديب ماركيز إلى صديقه يوسا ليصافحه ويهنئه على العمل الإبداعيّ الجديد فعاتبه يوسا على ما قاله لزوجته. وحدث نقاش وجدال بين الأديبين الكبيرين تحوّل إلى صراخ فشجار، ولكم يوسا صديقه ماركيز لكمة قويّة تركت ورمًا في وجهه وبقعة زرقاء حول عينه.
وهرب ماركيز خائفًا من ضربات يوسا والتجأ إلى فوني التي عصبت عينه بضمّادة وهرّبته بسرعة من مدينة مكسيكو ستي.
ولا بدّ لنا من أن نتخيّل الهرج والمرج في القاعة.
لا تذكر فوني ما حدث بعد ذلك. هل كانت قطيعة بين الكاتبين أم أنّ الرّجلين تسامحا وتصالحا وعادت الأمور إلى مجراها؟ كما لم تذكر ما حدث بعدئذ بين الزّوجين. هل اعتذر يوسا على خيانته لزوجته وهل سامحته؟
يا سيّدة فوني لماذا هذه الفضائح وأنت تعلمين بأنّ الأدباء بشر؟
وأرجو ألا يتّهمني أحد القرّاء بأنّني أدعو إلى العنف في هذا المقال. فمعاذ الله أن أكون كذلك!