بيت الحكمة- اعترافات أكاديمي
خوف الأكاديميين عقبة في طريق استعادة الحكمة
منير فاشه
نحن الأكاديميين خوافون، فكريا "نمشي الحيط الحيط ويا ربّ الستيرة". يحتاج الوضع الحالي عالميا أكثر من أي شيء آخر إلى جرأة على صعيد الفكر. أصعب مكان –لكن أهم مكان– لانتزاع أنفسنا من حالة الخوف هذه هو عالم الأكاديميا.
نحن كأكاديميين نخاف لأننا لا ندرّس ما نضج بداخلنا بل ما يصدر عن سلطة معرفية تدعي العالمية والأحادية والفوقية تجعلنا نخاف أن ننتقدها؛ نخاف أن نفعل أي شيء لا يتوافق مع "جامعات النخبة" في عالم الجماعة الأورو- أميركية خوفا من أن نخسر رضاهم وبالتالي نخسر قيمتنا "التبادلية". نتجنب في جامعاتنا كلمات مثل "حكمة" و"مجاورة" وكأنها وباء؛ في أقل تقدير يُنْظَر إليها وكأنها متخلّفة تنتمي إلى الماضي وولّى زمانها.
بعثت قبل 8 سنوات إيميل (ونشرته أيضا في جريدة "الحال" بجامعة بيرزيت) إلى الجامعات الفلسطينية حول إنشاء كلية صغيرة كتجربة تحمل اسم "بيت الحكمة" لعشرة طلبة فقط (من بين آلاف الطلبة في جامعاتهم) ممن يرغبون بالسير على طريق الحكمة خلال السنوات الأربع؛ لا حياة لمن تنادي. لا توجد جامعة فلسطينية أو عربية تجرؤ حتى على التناقش حول الموضوع رغم أننا ورثة إرث هائل من الحكمة. بدلا من ذلك، نجد أنفسنا نلهث وراء علوم الجماعة الأورو- أميركية التي تنطلق من "إخضاع الطبيعة"، ووراء تكنولوجيتها التي تحوّل الإنسان من مخلوق اجتماعي ناطق وفاعل إلى مخلوق صامت ومشاهد، ووراء أيديولوجيتها التي تقارن بين البشر على خط عمودي وتجعل منا عبيدا نفتخر بعبوديتنا دون أن ندري، ووراء مسارها الأكاديمي الذي يحوّلنا إلى نسخ باهتة عنها وإلى ببغاوات نعيد ما سمعناه وقرأناه في دهاليزها... يشكّل الشفاء من حالة التخدير هذه واستعادة عافيتنا العقلية التحدي الأكبر الذي نواجهه في الوقت الحاضر.
المعضلة التي واجهتها على مدى سنوات: مَنْ أنا حتى أسمح لنفسي بأن أشك بأكاديميين مرموقين في "جامعات النخبة" العالمية وأن أتجرّأ وأتساءل حول مساقات الرياضيات التي درستها ودرّستها؟! مصدر هذه الحال السائدة بيننا كأكاديميين هو الخوف. حتى عندما وعيت أهمية هذه التساؤلات خفت أن أبوح بها، إذ أن ذلك كان سيُضْعِف مكانتي في المؤسسة الأكاديمية ومع الطلبة وفي المجتمع. كنت جبانا لخوفي من عواقب ما سيحصل لي وما يمكن أن أخسره من مكاسب، ومن اتهامي بأني أدعو للعودة إلى الوراء. تصرُّفي ذاك كان على حساب الفهم والصدق واكتساب معرفة لها قيمة نفعية. أي، موقعي الاجتماعي ومعاشي اعتمدا على أن أفعل ما كان يملى عليّ تحت تأثير الجُبْن والخوف وتخدير بريق الجماعة الأورو-أمريكية. لا أعتقد أن أحدا من أساتذة الرياضيات يعرف لماذا يُدَرَّس مساق "المتغيرات المعقدة"، لكن لا يجرؤ على قول ذلك إذ يخسر إيحاءات إيجابية وهمية.
السنوات التي قضيتها في المدارس والجامعات (من صف البستان وحتى الدكتوراه) سلبتني المناعة الداخلية على أصعدة شتى (العقلي بوجهٍ خاص). المعارف الرسمية المؤسسية المصمّمة على مقاس قيم السيطرة والفوز والتراكم الأسي لرأس المال تشبه المأكولات المصممة على مقاس قيمة الربح. الاثنتان تضعفان المناعة الطبيعية لدى الإنسان (مناعة العقل ومناعة الجسم). عندما تجرأت، مثلا، أن أشمل والدتي والدجاجة الفلسطينية ودودة الأرض في قائمة المراجع المعرفية في المسودة الأولى لرسالة الدكتوراه، ثارت حفيظة اللجنة المشرفة، واعتقدوا أني أستهزئ بهم وأستخفّ بالأكاديميا وبجامعة "هارفارد". من أين اكتسبت تلك الجرأة؟ نتيجة خبرتي وعيشي في فلسطين خلال عقد السبعينيات، ونتيجة وعيي خلال تلك الفترة لعالم والدتي الأمية بدءا بالرياضيات، وأيضا لأنني لم أكن طموحا بمعنى السعي لأكون نسخة عنهم. فلولا كل ذلك لَمَا تجرأت على وضع الدجاجة الفلسطينية في قائمة مراجعي المعرفية كمثال على صراعنا من أجل البقاء، والقدرة على التأقلم وتوليد الذات والعيش وفق الطبيعة. خريج الجامعة يشعر بأمان في قفص فكري أكثر بكثير من "عشٍّ" حياتي. ما يضعف مناعتنا الطبيعية احتذاؤنا بحذاء الغير وسعيُنا لأن نكون نسخا عن آخرين. لم يعد الوضع يسمح بأن نستمر فكريا على هذا النحو. جدير بالذكر أنني أدخلت عام 1979 مساق "الرياضيات في الاتجاه الآخر" في جامعة بيرزيت؛ كانت لا تزال تملك جرأة على فعل ذلك. أحد مقومات ذلك المساق كان تحويل مفهومنا للرياضيات من أداة سيطرة ومعرفة لها قيمة تبادلية، إلى وسيلة تساعدنا في العيش بحكمة بما في ذلك ملاحظة وجه الشبه بين ظواهر مختلفة على السطح لكن متماثلة في العمق وملاحظة المنطق الخفي تحت السطح مثل ملاحظة أن المنطق الخفي في التعليم الرسمي هو "فرِّق تَسُد".
أود أن أذكر مرة أخرى على أني آمل أن تكون لدينا الجرأة لنستعيد المجاورة كوسيط للتعلم، ونستعيد عبارة الإمام علي "قيمة كل امرئ ما يحسنه" كمبدأ يمكن أن يسهم في شفائنا من حالة الخوف السائدة في جامعاتنا على الأقل إذ يعطينا بديلا رائعا للتقييم العمودي ونظرية الذكاءات المتعددة وجودة التعليم والحق في التعليم، كما يعطينا معنى جميلا وعميقا للكرامة والمساواة والتعددية والديمقراطية (المتمثلة بديمقراطية المعنى).
في الحلقة القادمة سألخّص ما بعثت به إلى الجامعات الفلسطينية قبل ثماني سنوات حول إنشاء كليات "بيت الحكمة" كمثال.