عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 03 آب 2016

نحو تعزيز فهم "الآخر المختلف" في المجتمعات العربية

د. إيهاب عمرو

امتازت الحضارة العربية الإسلامية بتنوعها الديني والفكري والحضاري الإنساني عبر العصور، وذلك يعد مصدراً إضافياً لتطور مجتمعاتها ونهضتها. ولقد أثبت التاريخ أن الحضارة العربية الإسلامية إنما ازدهرت بفضل إيمانها العميق بالتنوع والتعدد وقيم التسامح داخل المجتمع الواحد. وخير مثال على ذلك النهضة العلمية والثقافية والفكرية والحضارية التي شهدتها الأندلس إبان فترة الحكم العربي، والتي ساهمت دون شك في استمرار التقدم الحضاري الإنساني، امتداداً لما كان الإغريق قد قاموا به خلال الفترة السابقة من التاريخ، حيث شكلت الاكتشافات والمساهمات التي قام بها علماء وفلاسفة الأندلس إضافات نوعية وجديدة في مختلف الحقول، والتي استفادت منها شعوب العالم قاطبة، خصوصاً قبل عصر النهضة في أوروبا.

وحثت الشريعة الإسلامية الغراء على احترام "الآخر المختلف" دينياً الذي يعيش في ذات المجتمع وتوفير الحماية له عند الضرورة. وتنص الدساتير والقوانين الوضعية كذلك على احترام الخصوصيات الدينية والفكرية والشخصية وتعتبرها حقوقا دستورية لا يجوز المساس بها بأي شكل من الأشكال.

إن إطلالة موجزة على الواقع الذي تعيش معظم المجتمعات العربية في الوقت الراهن كفيل بأن يدق ناقوس الخطر حول أهمية تعزيز ثقافة الاختلاف في تلك المجتمعات وإيجاد السبل الكفيلة بفهم "الآخر المختلف"، وذلك درءاً للمفاسد وجلباً للمنافع.

 إننا أحوج ما نكون في الوقت الراهن لتعزيز مفهوم إحترام "الآخر المختلف" داخل المجتمع الفلسطيني، خصوصاً في ظل التطورات المتلاحقة التي تعصف بالمنطقة، والتي أدت إلى بروز الخلافات الدينية والعرقية والمذهبية والسياسية على السطح في كثير من الدول العربية، ناهيك عن أن المنطقة التي نعيش فيها إنما تسير السياسة فيها على رمال متحركة وهو ما يستتبع بالضرورة تأثر المجتمعات فيها بأية تأثيرات سلبية قد تحدث مستقبلاً، خصوصاً في ظل ضعف المنطلقات الفكرية -مع الاحترام- لدى الكثير في تلك المجتمعات.

وتكمن الأساليب التي يمكن من خلالها تعزيز فهم "الآخر المختلف" في توجيه الطلبة في المدارس إلى أهمية احترام الاختلافات الدينية والفكرية والحضارية بين أبناء الشعب الواحد، من خلال اتباع أساليب عصرية في التعليم تشحذ همم الطلاب والطالبات وتحفزهم على التفكير الإبداعي وابتكار الاقتراحات، بعيداً عن فرض الرؤى والحلول من قبل المدرسين والمدرسات.

أيضاً، فإنه يمكن لوسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والإلكترونية أن تقوم بدور في هذا السياق، عبر توجيه المجتمع من خلال برامج تشجع على احترام الاختلافات الفكرية والدينية داخل المجتمع الفلسطيني. إضافة إلى هذا وذاك، فإنه يمكن لوزارة الأوقاف تخصيص خطبة الجمعة لتناول هذا الموضوع من زاوية دينية وأخلاقية وإنسانية، ما يساهم معه في خلق حالة وعي مجتمعي تدرأ عن مجتمعنا الفلسطيني ما لا يحمد عقباه.

كما يمكن للجامعات أن تقوم بدور توعوي من خلال عقد المؤتمرات وورش العمل ذات العلاقة بهذا الموضوع الهام، ما يساهم في إرشاد الطلبة إلى السبل الفضلى الكفيلة بتعزيز ثقافة إحترام "الآخر المختلف" بعيداً عن التعصب الديني أو القبلي أو السياسي، أو ذلك المتعلق بالنوع الاجتماعي. ويندرج كذلك ضمن تعزيز فهم "الآخر المختلف" معاملة الزائرين، خصوصاً السائحين منهم، بشكل لائق وحضاري وإنساني ما يعكس صورة مشرقة عن شعبنا وحسن أخلاقنا وكرم ضيافتنا، خصوصاً أن السياحة تعد مصدر دخل قومي حيوي في فلسطين.