بيت الحكمة - التحرر من هيمنة التصنيفات الأكاديمية
منير فاشه
عقولنا سجينة الكلمات المؤسسية والمصطلحات المهنية والتصنيفات الأكاديمية، ولعل أخطرها التصنيفات الأكاديمية إذ تكتنفها هالة من الإيحاءات الإيجابية تجعل الناس يقبلون ما يصدر عنها دون تفكّر ودون شك. صعب على الإنسان المعاصر (خاصة من يحمل شهادة) أن يتكلم أو يكتب خارج هذه المفردات التي صُنِّعَت بمعامل فكر الجماعة الأورو- أميركية المحكومة بقيم الفوز والسيطرة والتراكم الأسي لرأس المال. صعبٌ جدا أن نسمع طالبا أو مدرّسا أو موظفا أو مسؤولا أو أكاديميا أو مديرا أو خبيرا أو مستشارا أو رئيسا يستعمل كلمات تنبع معانيها من الحياة، إذ لا يدرك أيٌّ منهم أنه شخصيا مصدر معنى وفَهْم، وعدم إدراكه ذاك يمنعه من ممارسة حقه ومسؤوليته في التأمل بخبراته والاجتهاد في تكوين معنى لها. لو نظرنا إلى رسالة/ رؤية أي جامعة أو مؤسسة، أو إلى بيان أي مؤتمر أو ورشة عمل أو برنامج تدريب، من الصعب إيجاد كلمات ومعانٍ لا علاقة لها بمؤسسات أو تصنيفات أكاديمية؛ حقيقة مرعبة حقا! لذا، ربما يكون أصدق وصف للإنسان المعاصر "المتعلم" هو صفة "ببغاء" إذ يعيد في أغلب الأحيان ما يسمعه أو يقرأه دون فهمٍ ودون وعي عواقبه. تعبير "الأول على الصف" هو تعبير مؤسسي لا يمكن تفسير معناه عبر كلمات تستمد معانيها من الحياة بل صادرة من مهنيين ومؤسسات. مثال آخر: "الحق في التعليم" تعبيرٌ بلاستيكي يعني في أفضل الأحوال الحق في مقعد يجلس عليه الطالب مدة 12 سنة لا ينطق خلالها ولا يستعمل أصابعه وجسمه؛ تعبيرٌ يعكس اهتماما بالقفص لا بما يحدث للأطفال. مثال ثالث: وَصْف ما حدث في ميدان التحرير بالقاهرة بأنه فشل. الحياة ليست نجاحا وفشلا بل صراعا مستمرا ضد الظلم والتخريب من أجل عافية الإنسان والمجتمع والطبيعة. لكن كلمات مثل ظلم وتخريب وعافية لا نتعلمها في المؤسسات وعالم الأكاديميا. مَسْخُ حَدَثٍ بضخامة وعمق وزلزالية ما حدث في الميدان بكلمة "فشل" يعكس عقولا مقولبة ومخدرة وضحلة. ما حصل في ميدان التحرير هو بمثابة "تسونامي" بشري تمرَّدَ على الطغيان الداخلي والخارجي، تماما كما شاهدنا تمرُّدَ الطبيعة ضد تخريب الإنسان لها على شكل تسونامي في أكثر من منطقة. إطلاق صفة فشل على ما حدث في ميدان التحرير هو تصنيف مؤسسي أكاديمي بامتياز! حرّك ميدان التحرير مدنا كثيرة حول العالم، بما في ذلك شباب نيويورك الذين لأول مرة ذهبوا إلى "وول ستريت" وليس إلى البيت الأبيض أو البنتاغون أو الكنغرس؛ ذهبوا إلى المصدر لا إلى الأجير. شباب مصر لم يفشلوا بل نحن فشلنا في قراءة ما حدث إذ رأيناه عبر تصنيفات أكاديمية.
الإنسان كائن اجتماعي؛ هذا هو جوهره (حقيقة مغيبة من المؤسسات التعليمية). تحوَّلَ الإنسان ضمن الجماعة الأورو- أميركية من كائن اجتماعي إلى individual التي لا رديف لها بالعربية. كلمة "فرد" ليست رديفا إذ نقول: فرد من أفراد العائلة أو القبيلة؛ لا توجد كلمة بالعربية تشير إلى الإنسان بمعنى يتناقض معه ككائن اجتماعي. التعليم الرسمي يربي الطفل في أجواء يفقد خلالها إدراكه لذاته ككائن اجتماعي؛ التصنيفات الأكاديمية تغيّبه ككائن اجتماعي وتمزق علاقته مع من وما حوله، بما في ذلك المكان والزمان والطبيعة والناس والثقافة والحضارة والنسيج المجتمعي، وتحوله هو والمعرفة إلى سلع استهلاكية. [ربما لهذا السبب لم يتجاوب رؤساء الجامعات مع إيميلي لهم قبل سبعة أعوام بإنشاء 'بيت حكمة’ في جامعاتهم لعشرة طلبة فقط كتجربة نتعلم منها لنبني في المستقبل بيوت حكمة بدلا من مؤسسات تعليم عال. ولهذا أيضا عندما أدعو إلى ضرورة استعادة المجاورة كوسيط للتعلم والفعل المجتمعي ينظر الناس باستغراب، ويسألون: ماذا تعني؟ كلمة "مجاورة" التي كانت الوسيط الرئيسي للتعلم في مجتمعاتنا عبر آلاف السنين أصبحت غريبة منبوذة رغم أنها في رأيي أهم "سلاح" في أيدي الناس لحمايتهم من السيطرة والتخريب وانقضاض نمط الاستهلاك على عيشهم. احتلت المؤسسة محل المجاورة كاللبنة البنائية الأساسية في المجتمع].
قناعة جوهرية تعمقت لديّ عبر العقود الأربعة الماضية: التحرر من هيمنة مصطلحات مؤسسية هو أساس كل تحرر؛ فأي تحرُّر لا يواكبه تحرر على صعيد الكلمات ومعانيها لا يلبث أن يعود إلى حالة الشرذمة الفكرية والتمزق الاجتماعي والعبودية المعرفية- الإدراكية التي تمثل جميعا أعمق وأخطر أنواع التمزيق والعبودية. المفردات التي تبدو علمية حيادية موضوعية أكاديمية وتوحي بالعالمية تغيّب التعددية وتقتل المناعة الذاتية والقدرات البيولوجية، وتمزّق عالمنا الداخلي وعلاقتنا مع البيئة من حولنا، وتفقدنا القدرة على رسم صورة في أذهاننا عن الواقع الذي نعيشه؛ هي مفردات ملهية ومشوِّهة ومخدِّرة. لم أشعر في حياتي بتحرر وحيوية ذهنية وتعبيرية وروحية قدر ما شعرت به عندما بدأت أتحرر من هيمنة المصطلحات المؤسسية والتصنيفات الأكاديمية في بداية السبعينيات من القرن الماضي، الذي استمر حتى اليوم. أرى من المفيد أن يبدأ كل شخص يرغب بالتحرر من التصنيفات الأكاديمية بصياغة رحلة تعلّمه دون استعمال أي مصطلح مؤسسي مهني أكاديمي.
ما هو بديل المصطلحات والتصنيفات المستعملة لوصف عملية التعلم؟ الجواب بسيط ومتوفر لكن مغيّب: استعادة إدراكنا للإنسان على أنه كائن اجتماعي، واستعادة التأمل والاجتهاد كأساس للتعلّم. الأكاديميا بشكلها السائد هي ميوعة في الفكر وكسل في التأمل والاجتهاد. "طالب مجتهد" بلغة المؤسسات هو طالب يفتخر بعبوديته، بينما نفس التعبير في لغتنا وحضارتنا يعني طالب يبحث، بشكل مستقل، عن معنى وفهم، ضمن مجاورة ووفق حكمة. التعليم العالي ليس في أزمة بل نحن في أزمة بسببه.