شروط البناء على إيجابيات اجتماع باريس
باسم برهوم
تصرفت القيادة الفلسطينية بذكاء حيال المبادرة الفرنسية، وبالتحديد حيال نتائج اجتماع باريس الذي عُقد الجمعة الماضية وبيانه الختامي. القيادة كانت تتابع بدقة وتوقعت كل ما جرى، وتصرفت بهدوء وقررت أن تكتفي بإصدار إعلان يؤكد على ما يريده الجانب الفلسطيني سواء من المبادرة الفرنسية أو غيرها، وقالت إن أي مبادرة يجب أن تقود إلى إنهاء الاحتلال الاسرائيلي الذي بدأ في حرب عام 1967 بالكامل، وأنه لن يقبل بأي تعديل على المبادرة العربية- بمعنى أن الجانب الفلسطيني لن يقبل بأي تطبيع عربي مع اسرائيل قبل انتهاء الاحتلال وحل قضايا الوضع الدائم، وخصوصاً حل قضية اللاجئين الفلسطينيين حلاً عادلاً بموجب القرار 194.
كيف نظرت القيادة لبيان باريس الختامي؟
منذ البداية، القيادة كانت تدرك أن المبادرة الفرنسية ستكون محكومة بعدة اعتبارات وعوامل وظروف، لذلك بدأت بدفع هذه المبادرة بهدوء وبشكل محسوب منذ مطلع العام الحالي مع فرنسا وعدد من الدول العربية والصديقة. وكان هدف القيادة المبدئي، هو كسر الجمود المحيط بالقضية الفلسطينية وإعادة الاهتمام الدولي بها بعد أن توارت لعدة سنوات خلف ملفات الشرق الأوسط الساخنة بعد ثورات ما يسمى بـ "الربيع العربي". أما الهدف الثاني فهو كسر احتكار الولايات المتحدة الأميركية للمفاوضات الفلسطينية- الاسرائيلية والتفرد بها. فهذا الاحتكار وهذا التفرد لم يجلب إلى الشعب الفلسطيني سوى المزيد من التوسع الاسرائيلي والاستيطان والتهويد، بالرغم من إعلان واشنطن المتكرر بانها مع حل الدولتين.
من المعروف أن واشنطن لم تسلم بسهولة بكسر احتكارها وتفردها بالصراع الفلسطيني الاسرائيلي ولن تسلم بسهولة في استبداد اطار اللجنة الرباعية، التي تتحرك بموجب ايقاعها باطار أوسع. من هنا كانت التوقعات بأن تحاول إفشال الادارة الأميركية المبادرة الفرنسية أو أن تمارس شتى الضغوط من أجل افراغها من مضمونها، وأن تحاول تخفيف سقف التوقعات من اجتماع باريس المُشار إليه والخروج ببيان غامض وغير مكتمل، وابقاء الباب مفتوحاً أمام عودة التفرد الأميركي وتفرد المفاوض الاسرائيلي بالفلسطينيين وإدامة عُمر الاحتلال أو فرض الحلول الاسرائيلية عليه.
ولأنه في علم السياسة لا يُمكن التعامل مع الموقف والتطورات بمنطق أسود وأبيض بالمطلق، أو أن يُرى النصف الفارغ من الكأس دون رؤية نصفه المُمتلئ والعكس صحيح. فالسياسي الماهر هو من يرى أدق التفاصيل بما فيها من إيجابيات وسلبيات وبناء على ذلك يتم التحرك والتفاعل مع المتغيرات. في اعتقادي فإن القيادة نظرت إلى كأس البيان الختامي لاجتماع باريس ورأت بدقة نصفه الممتلئ ونصفه الفارغ وحددت موقفها بهدوء وذكاء. ففي البيان عناصر إيجابية وأخرى سلبية، وهناك نواقص كان لا بد من توفرها في ليكون بياناً صالحاً لانطلاقة جدية. إيجابيات البيان هي في تأكيده على ضرورة إيجاد حل عادل ودائم وشامل للصراع الفلسطيني الاسرائيلي، وتأكيده على مرجعيات العملية التفاوضية قرارات مجلس الأمن 242 و338 ومبادرة السلام العربية. الأهم في البيان أنه طالب بخلق الظروف لإنهاء كامل الاحتلال الاسرائيلي الذي بدأ عام 1967 وحل جميع قضايا الوضع القائم كما أقر ضمنياً بضرورة توسيع اللجنة الرباعية من خلال العمل مع دول أخرى ذات مصالحة اقليمية، والمقصود هنا الدول العربية المعنية مباشرة، وأخيراً ترحيب البيان بالجُهد الفرنسي لاحتمال عقد مؤتمر دولي للسلام قبل نهاية العام، مما يترك المجال مفتوحاً لعقد مثل هذا المؤتمر.
قبل الذهاب إلى سلبيات البيان ونواقصه لا بُد من الإشارة أنه لا يجب جانب عدم الاستهانة بالإيجابيات سابقة الذكر أو التعامل معها وكأنها تكرار ممل لمواقف سابقة. فهذه الإيجابيات والمواقف خرجت عن إطار دولي وعربي طالما كان الجانب الفلسطيني يدفع باتجاهه. فالاجتماع ضم أعضاء للجنة الرباعية (الأمم المتحدة، الولايات المتحدة الأميركية، روسيا الاتحادية والاتحاد الأوروبي) إلى جانب أطراف الجامعة العربية وممثلين عن 28 دولة ومؤسسة دولية. هذا الاجتماع الموسع أكد على مفهوم انهاء الاحتلال الاسرائيلي بالكامل بما يعني أن كل ما نجم عن الاحتلال هو باطل وغير شرعي.
أما عن سلبيات البيان ونواقصه، فهي في كونه لم يكن حازماً بما يتعلق بعقد المؤتمر الدولي. كما لم يُحدد آليات تنفيذ وجدولا زمنيا، والأهم لم يطلب من اسرائيل بشكل واضح وقف وتجميد الاستيطان واكتفائه بالإشارة إلى أن استمرار الاستيطان يُنهي مبدأ حل الدولتين.
انطلاقاً من مبدأ أنه ليس هُناك في السياسة أسود وأبيض بالمُطلق، وأن الجمود والسكون في السياسة هو وصفة قاتلة لأي قضية، فإن القيادة الفلسطينية، وأعتقد انها تفعل- ستحاول البناء على إيجابيات المبادرة الفرنسية والبيان الذي خرج عن اجتماع باريس، فدور القيادة هو رؤية أي بصيص نور مهما كان خافتاً وتسعى إليه..
ولكن بأي شروط سيتم البناء على إيجابيات بيان باريس؟
في اعتقادي أنه يُمكن البناء على ايجابيات اجتماع باريس ضمن الشروط التالية: الأول، هو التمسك بالثوابت الوطنية، وانطلاقاً من هذا التمسك ورفض ما يُمكن أن يمس بهذه الثوابت تمكن للقيادة أن تواصل جهودها مع فرنسا والدول العربية وجميع الجهات المعنية بهدف الحفاظ على إطار باريس الدولي الموسع الذي جاءت به المبادرة الفرنسية والدفع تجاه تحوله إلى مؤتمر دولي يُعقد قبل نهاية العام ويُحدد بدقة المرجعيات والآليات والجدول الزمني للمفاوضات والهدف النهائي منها.
الشرط الثاني، رفض أي تعديل للمبادرة العربية، كما يُطالب حلف نتنياهو ليبرمان، فكل ما تريده اسرائيل من هذه المبادرة هو التطبيع مع الدول العربية بشكل كامل والاعتراف بها كدولة "الشعب اليهودي" من دون التزام بأي حل عادل مع الشعب الفلسطيني.
الشرط الثالث، على القيادة العمل على انهاء الانقسام واستعادة قطاع غزة لحضن الشرعية الوطنية، وتحقيق الوحدة الوطنية باعتبارها العامل الحاسم في التصدي للسياسات والمشاريع الاسرائيلية التوسعية من جهة، ومن جهة أخرى، هي التي ستقود إلى إجبار العالم على احترام إرادة الشعب الفلسطيني الموحدة واحترام حقوقه الوطنية المشروعة.
الشرط الرابع، التمسك بالقرار الوطني المُستقل وعدم التفريط به أو تسليمه لأي طرف كان، فالشعب الفلسطيني هو من يُقرر مصيره بنفسه وهو من يُقرر ما فيه مصلحته من عدمها. فتجربة نكبة عام 1948 لا تزال ماثلة، والثمن الباهظ الذي دفعه الشعب الفلسطيني عندما سلمت قيادته آنذاك قرارها إلى الحكام العرب لا يزال ماثلاً.