جغرافيا الزيتون الفلسطيني (الحلقة 1)
زيتونيات – فياض فياض

الهوية المنسية..شجرة الزيتون من مجرد محصول زراعي إلى "مؤشر جغرافي سيادي"
بعد أن اختتمنا بنجاح سلسلتين من المقالات، بواقع عشر مقالات لكل منهما، كانت الأولى تحت اسم "قسم أبحاث الزيتون"، والثانية باسم "تاريخ عصر الزيتون"، أبدأ اليوم بسلسلة جديدة ونافذة بحثية واستراتيجية لا تقل أهمية عن جودة التصنيع؛ وهي نافذة "جغرافيا الزيتون الفلسطيني".
وقد شاركت هذا العام، وتحت رعاية وزارة الاقتصاد الوطني، في عدة ورشات ولقاءات لإدراج خمسة منتجات فلسطينية ليكون لها مؤشرات جغرافية محمية، تسهيلًا لعملية التسويق؛ وهذه الأصناف الخمسة هي: زيت الزيتون، والصابون النابلسي، والمفتول، والتطريز، والكوفية. وبحمد الله، كنت المرجعية المعتمدة لكل ما يتعلق بقطاع الزيتون في هذه اللقاءات.
السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه في مطلع هذه السلسلة: ماذا نعني علميًا بالمؤشر الجغرافي لزيت الزيتون؟
الجواب يعني ببساطة: ربط جودة الزيت الفائقة وخصائصه الكيميائية (مثل نسب الأحماض الدهنية ومحتوى البوليفينولات ومضادات الأكسدة)، ومواصفاته الحسية المميزة (كالشعطة والمرارة والنكهات العطرية الخضراء)، بالموطن الجغرافي المحدد. هذا الموطن يشمل تضافر ثلاثة عناصر لا يمكن تكرارها في أي مكان آخر في العالم:
أولًا: الخصائص الجينية للسلالة المستوطنة (مثل النبالي والسوري).
ثانيًا: العوامل البيئية والطبوغرافية الدقيقة (نوع التربة، والارتفاع عن سطح البحر، ومعدلات الأمطار البعلية).
ثالثًا: المعاملات الزراعية والبشرية الموروثة في الجني والعصر والتخزين.
من هم رواد المؤشر الجغرافي لزيت الزيتون؟
تاريخيًا، قادت دول شمال المتوسط، وتحديدًا إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، هذه الثورة التنظيمية عبر اعتماد تسميات المنشأ المحمية (PDO / AOC). فالمستهلك النخبوي في نيويورك أو طوكيو أو لندن لم يعد يشتري "زيت زيتون إيطالي" عاديًا، بل يبحث عن زجاجة معبأة ومختومة تحمل اسم علامة تجارية ومقاطعة صغيرة مثل "توسكانا" أو "صقلية"، وهو مستعد لدفع أسعار مضاعفة تصل إلى أربعة أو خمسة أضعاف السعر العادي لمجرد أن العبوة تحمل شهادة "مؤشر جغرافي مثبت" تضمن له الأصالة والجودة الطبية والذوقية الفاخرة كماركة مميزة.
وفي فلسطين، وفي مقاطعتنا وجغرافيتنا الوطنية، نمتلك كافة الأركان الطبيعية والتاريخية لتدشين هذه الثورة؛ وذلك لعدة أسباب جوهرية:
1- كون فلسطين هي موطن الزيتون الأول في التاريخ، ومنها ومن بلاد الشام انتشرت هذه الشجرة المباركة إلى كافة دول العالم.
2- التنوع المناخي والطبوغرافي الهائل بين تلال جنين، وسهول طولكرم، وجبال نابلس ورام الله، وصولًا إلى المرتفعات الصخرية في الخليل، مما يمنح كل منطقة إنتاجية "هوية كيميائية وحسية" مستقلة تمامًا عن الأخرى، وهو ما سنتناوله بالتفصيل في حلقاتنا القادمة عبر تشريح السلالات وأثر التضاريس والمعاملات الحركية الميدانية في كل محافظة.
3- أن وجود جبل الزيتون في القدس الشريف، والبلدات المقدسة التي وُلد وعاش فيها وزارها السيد المسيح عليه السلام، يمنح جغرافيتنا ومحصولنا ميزة روحية وتاريخية فريدة لا ينافسنا عليها أحد.
إن فتح هذا الملف ليس ترفًا أكاديميًا، بل هو حجر الأساس لمعركتنا القادمة في أروقة المجلس الدولي للزيتون (IOC) وفي الأسواق العالمية؛ لكسر فخ بيع زيتنا بأسعار متدنية أو خلطه، والانتقال به إلى منصة التميز السيادي التي يستحقها كمنتج نخبوي يحمل رائحة التاريخ وجدارة العلم، تمهيدًا لصياغة أوراق عملنا الدولية التي سأعرضها في الندوة الدولية لجمعية تونس الزيتونة في صفاقس، في تونس الشقيقة، هذا الشهر، وفي تونس العاصمة، لفعالية الجمعية التونسية النشائية لزيت الزيتون، تحت مظلة المكتب العربي للزيتون، المنبثق عن المنظمة العربية للتنمية الزراعية في جامعة الدول العربية، لرفع راية الذهب الأخضر الفلسطيني عالميًا.