عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 08 آب 2026

قلنديا... مخيم اللاجئين الذي ينتظر أن يراه العالم

د. رمزي عودة

كان صباح الخميس مختلفا. الطرق المؤدية إلى رام الله بدت شبه خالية، وحركة المركبات التي اعتدنا رؤيتها كل صباح اختفت. علمنا من الأخبار أن مخيم قلنديا وكفر عقب أغلقا، لكنني واصلت طريقي من بيت لحم إلى رام الله، معتقدا أن إغلاق المخيم لا يعني إغلاق مدينة كاملة، وأن طرقا بديلة ستبقى مفتوحة.

لكن الواقع كان مختلفا عند مشارف قلنديا، أغلقت الدبابات الإسرائيلية المداخل، وكانت الجرافات العسكرية الثقيلة من طراز D9 تعمل في المكان. تحولت الدقائق إلى ساعات، وتكدست آلاف المركبات على الطريق الرئيسي المؤدي إلى رام الله. ثم بدأ إطلاق قنابل الصوت والغاز، ولم يكن أمامنا سوى العودة إلى بيت لحم.

في ظل مشاعر القلق والخوف هذه، لم يكن السؤال في مخيلتنا: لماذا أغلق الطريق؟ بل: ماذا يحدث خلف تلك الحواجز؟ ولهذا سرعان ما اتصلت بصديق صحفي داخل المخيم، وسألته عما يجري. كان جوابه صادما: "لقد تم إخراجي أنا وعائلتي من المنزل فجرا، وتخريب ممتلكاتنا، وتحويل المنزل إلى موقع عسكري لجيش الاحتلال".

في تلك اللحظة تحول الخبر عن اغلاق المخيم من عنوان عسكري إلى قصة إنسانية. خلف الكلمات التي تتكرر في البيانات الرسمية لجيش الاحتلال، هناك عائلات تجبر على مغادرة منازلها، وأطفال يستيقظون على أصوات الجنود، وأشخاص يجدون حياتهم اليومية معلقة بقرار عسكري لا يملكون التحكم به.

قلنديا ليس مجرد موقع أمني على خارطة الضفة الغربية. إنه أحد أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، ويضم أكثر من 34 ألف لاجئ يحملون ذاكرة التهجير الأولى، ويحاولون بناء حياة طبيعية في ظروف استثنائية. ولهذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن اختزال مخيم كامل للاجئين في إطار رواية أمنية مضللة فقط؟

تدعي دولة الاحتلال إسرائيل أن عملياتها العسكرية في مخيم قلنديا تهدف إلى اعتقال مطلوبين ومواجهة تهديدات أمنية لها علاقة بتجارة السلاح ومحاربة الإرهاب!

والغريب في هذه الرواية أن مخيم قلنديا منذ عدة سنوات لم يشهد أي أعمال عسكرية ولا وجود كتائب مسلحة، ولا شيء من هذا القبيل الذي يسمح لإسرائيل بتبرير مثل هذه العملية والتي قد تتسع –على غرار ما حدث في مخيمات الشمال- لتشمل وجودا دائما لقوات الاحتلال في المخيم وهدم عشرات البيوت وتهجير سكانها والمباني بما فيها كلية التدريب المهني التابعة لوكالة الأونروا.

في الواقع، إن ما يحدث في مخيم قلنديا ربما سيكون امتدادا لما حدث في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، وربما سيكون مرحلة لانطلاق عمليات عسكرية إسرائيلية أخرى ضد مخيمات اللاجئين في الجلزون والأمعري والدهيشة والفوار وغيرها.

هذه الجرائم الإسرائيلية التي يطلق عليها عمليات أمنية تستهدف المخيمات الفلسطينية بكونها دليلا على النكبة وبندا بالغ الأهمية من بنود القضية الفلسطينية. وتكتسب قلنديا بعدا استراتيجيا آخر في العقلية العسكرية الإسرائيلية تجعله مركزا مهما في الاستهداف فهو مخيم تابع لمدينة القدس المحتلة وتصفية وجوده مرتبطة بشكل وثيق في تحقيق أهداف اليمين الإسرائيلي الحاكم بالإسراع في عملية تهويد المدينة المقدسة ومنع وجود وظهور لمؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية والمنظمات الدولية فيها.

كما أن استهداف مخيم قلنديا سيعزز السيطرة الإسرائيلية على مدينة رام الله ويقوض وجود السلطة الوطنية فيها وهو ما سيلقي ظلاله سلبا على عملية التنمية السياسية والاقتصادية في العاصمة المؤقتة للدولة الفلسطينية، رام الله. بكلمات أخرى وأبسط: عملية قلنديا تستهدف عاصمتي الدولة الفلسطينية المؤقتة والدائمة بما يؤدي إلى تقويض المشروع الوطني الفلسطيني بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

للأسف كل هذه الجرائم من قبل قوات الاحتلال تحدث ضد مجتمع اللاجئين في مخيم قلنديا والإعلام الغربي في حالة صمت، وفي كثير من الأحيان يكتفي بنقل رواية الاحتلال دون أن يشغل تقاريره بإجابات على أسئلة مهمة: ماذا يحدث للمدنيين؟ كيف تتأثر حياة العائلات؟ وهل يدفع مجتمع كامل ثمن إجراءات وعقوبات ربما يكون السبب في إصدارها مصالح انتخابية لليمين الإسرائيلي وفقا لكثير من التحليلات؟

هنا تظهر مشكلة أعمق تتعلق بطريقة تغطية الصراع. فالإعلام لا ينقل الواقع فقط، بل يؤطره أيضا. وقد أظهرت دراسات في مجال الاتصال الجماهيري أن اختيار الكلمات، وترتيب المعلومات، وتحديد أي رواية تظهر أولا، تؤثر في الطريقة التي يفهم بها الجمهور الأحداث. ففي تغطية العمليات العسكرية الإسرائيلية في مخيم قلنديا، يلاحظ أن الإطار الأمني غالبا ما يأتي في مقدمة القصة: "مطلوبون"، "تهديدات"، "عمليات أمنية" "قواعد للإرهاب"، بينما تأتي المعاناة الإنسانية للمدنيين في مساحة لاحقة. وقد يؤدي ذلك إلى أن يرى المتلقي الحدث من زاوية أمنية قبل أن يراه كأزمة إنسانية أو حالة سياسية مرتبطة بالهيمنة والسيطرة من قبل قوات الاحتلال.

في قلنديا، يصبح هذا السؤال أكثر إلحاحا. فالمخيم ليس مجرد مكان تجري فيه عملية عسكرية؛ إنه مجتمع يعيش فيه أناس لهم أسماء وذكريات وأحلام. وعندما يختزل هؤلاء في أرقام أو تصنيفات أمنية، تضيع القصة الأساسية: قصة الإنسان.

لقد علمتنا تجارب سابقة في الضفة الغربية، ومنها مخيم جنين، أن الأحداث الكبيرة لا تبدأ عندما تصبح عناوين عالمية، بل تبدأ في اللحظات الأولى، حين تكون الحاجة أكبر إلى صحافة مستقلة تراقب وتوثق وتنقل أصوات الناس. إن غياب الكاميرا المستقلة عن المكان يخلق فراغا.

وفي هذا الفراغ تصبح الروايات الرسمية أكثر قدرة على تشكيل الصورة، بينما يصبح صوت المدنيين أكثر ضعفا. فالمطلوب من الإعلام الغربي ليس أن يتبنى رواية طرف ضد آخر، بل أن يطبق معيارا واحدا: أن يرى الإنسان قبل العنوان، والمدني قبل التصنيف، والمخيم قبل وصفه الأمني، قلنديا اليوم ليست مجرد خبر عابر من الضفة الغربية. إنها اختبار لقدرة العالم على رؤية معاناة المدنيين اللاجئين قبل أن تتحول إلى مأساة يصعب تجاهلها.