عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 20 أيلول 2026

حتى مكة؟!

سؤال عالماشي-موفق مطر

كيف سيقنعنا أولئك الذين يرفعون علم فلسطين في مظاهراتهم ومسيراتهم ومهرجاناتهم وعلى منصات خطاباتهم، ويرفعون شعارات بمصطلحات تشير إلى "مقاومة إسلامية"، وكذلك "النصرة للإسلام"، لكنهم في ذات الوقت لا يتورعون عن قصف مكة المكرمة ومدن وبلدات في بلاد الحرمين الشريفين، المملكة العربية السعودية، كأبها وخميس مشيط وينبع ونجران؟

فلو كان لديهم أدنى احترام لفلسطين وتضحيات شعبها، وحكمة وعقلانية وواقعية قيادة الشعب الفلسطيني، لما استغلوا رموز فلسطين السيادية والتاريخية وتضحيات الشعب الفلسطيني لتبرير ولائهم لطهران وتنفيذ أوامر جنرالاتها، فحرصهم على تقديم براهين الطاعة العمياء لأولياء نعمتهم سابق، ويبعد ملايين الأميال الضوئية عن فلسطين المعنوية وما تمثله في ضمير الأمتين العربية والإسلامية والأمم الحرة في العالم، حتى إنهم ضاعفوا البعد الجغرافي عن أرض ميلاد المسيح عيسى ابن مريم (عليه السلام) والقبلة الأولى للمسلمين، "فلسطين".

فعمليات إرهاب مكة بالصواريخ "الباليستية" وقصف منشآت الطاقة، وتفجير خط نقل النفط المعروف بخط (شرق-غرب) بالطائرات المسيّرة، لا تفسير لها سوى أن الفاعلين قد طيّر الشر عقولهم، وانكسرت بوصلة انتماءاتهم الوطنية والروحية، حتى تاهوا وضاعوا، وفقدوا مقومات البصيرة الوطنية بجوهرها الثقافي، فانسلخوا عن الانتماء لأوطانهم ومصالح شعوبها العليا، وانحازوا للأجنبي الإيراني ونفذوا أجنداته دون أدنى مناقشة أو تفكير بالمآل والتداعيات!

لا عذر لهم، إذ كان عليهم إدراك الحقيقة الثابتة أن أمن الدول العربية قاعدة استراتيجية لفلسطين على درب انتزاع أمن وحرية شعبها، ونعتقد يقينًا أنهم يعرفون ويعلمون المبادئ التي تجعل أمن فلسطين جزءًا من الأمن القومي العربي، لكنهم معنيون بشطب هذا المبدأ، لفصل وحدة الأمن الاستراتيجي العربي وتحويله إلى جزر منفصلة، تمامًا كما يفعل المستوطنون على جغرافية أرض فلسطين، حيث يقطعونها، ومبدأ تواصل جغرافية أرض دولة فلسطين، بالمستوطنات الاحتلالية، ويحشدون فيها مجموعات "الإرهاب اليهودي"، كما وصفه إسرائيليون يدركون مخاطره عميقًا!

فمخطط تفكيك وتجزئة الأمن القومي العربي عمومًا، وأمن دول الخليج العربي خصوصًا، يجب النظر إليه، وقضية أخطر بكثير من الولاء الطائفي أو المذهبي أو المصلحي! ويكمن معظم هذا الخطر بأن الأدوات المسلحة المستخدمة لخوض حروب الآخرين بالوكالة، تستخدم – دعائيًا- القضية المركزية للأمة العربية (الحق التاريخي والطبيعي للشعب الفلسطيني في أرض وطنه فلسطين)، لكنها في الواقع تعمل على تحويل العمق الاستراتيجي العربي لفلسطين إلى بؤر توتر، حيث تستجلب السنة لهب من نار حروب كبرى في الإقليم، وترمى في قلب زيت صراعات داخلية حرصت طهران وحلفاؤها على تسخينها حتى درجة الغليان!

نحن معنيون بأن يكون علم فلسطين المرفوع عاكسًا لخطاب الانتصار لفلسطين، والإسناد بلا حدود أو شروط لحركة التحرر الوطنية الفلسطينية، ولمشروع الدولة الوطنية الفلسطينية الديمقراطية التقدمية، ولمبادئ وأهداف نضال الشعب الفلسطيني المعلومة لكل من نطق بالضاد.

فإسناد حق الشعب الفلسطيني بدولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس، وتعزيز صموده حتى انتزاع الحرية والاستقلال والسيادة، يتطلب أعلى درجات الإدراك لخطر المشروع الصهيوني الاستعماري العنصري، وتكثيف الضوء على تطور ونمو متسارع للصهيونية الدينية العنصرية، التي كانت وما زالت النقيض للإنسانية التي نحن وكل أمتنا العربية جزء لا يتجزأ منها.

أما من يغفل الإبادة الصهيونية على أرض فلسطين وذروتها في قطاع غزة، ويلفت الأنظار عن تقدم مشاريع الاستيطان التي ستدمر وتغير وجه أرض فلسطين وما عليها من مقدسات، ويسخر طاقات شعبية وقدرات مادية ومالية، مستغلًا ومستخدمًا اسم وعلم فلسطين، لإشعال جبهات ومعارك وصراعات وحروب في بلاد عربية نعتبرها العمق الاستراتيجي لفلسطين، فليس عليه إلا التفكير للحظة، لعله يدرك أنه يمضي في الاتجاه المعاكس، ليس للتاريخ وحسب، بل للحق وتطلعات شعوب هذه الأمة.. فبفعلته الجريمة هذه، واستهداف مكة المكرمة بالنار، وغيرها من مدن وعواصم عربية، لا يثير غبطة أحد، سوى ثلاثي الصهيونية الدينية: نتنياهو وبن غفير وسموتريتش.