اليهود والدولة اليهودية... الفوائد والأضرار
باسم برهوم

بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد انتشار أخبار المحرقة اليهودية "الهولوكوست" التي ارتكبتها المانيا النازية، قال بن غوريون: "لو كان هناك دولة يهودية لجاء إليها يهود اوروبا ولما كانت قد حصلت الهولوكوست".
لم يكن هم بن غوريون ما حل باليهود بقدر ما كان همه حث الدول المنتصرة بالحرب، الولايات المتحدة الأميركية، والاتحاد السوفييتي، أن تبادر وتدعم إقامة الدولة اليهودية بأسرع وقت، وبالفعل برع بن غوريون في اغتنام اللحظة التاريخية الملائمة بعد الحرب العالمية الثانية، ونجح في إقامة الدولة اليهودية عام 1948. ومنذ إقامة هذه الدولة دار نقاش بين يهود العالم إذا ما كان وجود إسرائيل مفيدا أكثر من عدم وجودها بالنسبة لليهود، والنقاش الذي كان يخفت تارة ويطفو تارة أخرى على السطح، يدور حول كل شيء تقريبا، تأثير وجود الدولة على الجاليات اليهودية في بلدانها، إذا ما كان إيجابيا أم سلبيا، أو تأثير اللوبيات اذا ما تقلص أم تزايد، وكذلك الأمر بالنسبة للإبداع اليهودي في المجالات المختلفة: الفنون، الآداب، العلوم، تطور أم تراجع.
االمسألة الأهم إذا ما كانت إسرائيل قد شكلت ملاذا حقيقا ومناسبا لليهود كما أراد لها الآباء الصهيونيون أن تكون، أم انها فشلت بأن تكون كذلك؟
نقاش آخر يدور بخصوص الصهيونية، التي أقامت الدولة وحكمتها وسيطرت عليها كل الوقت، وإذا ما كانت هذه الفكرة لا تزال صالحة وضرورية ومفيدة لليهود في العالم، خصوصا أن الصهيونية وحتى اندلاع الحرب العالمية الثانية، وربما حتى لحظة تأسيس إسرائيل لم تكن هي الطاغية بين اليهود في العالم. ويأتي البعد الأخلاقي، الذي يحتل جزءا مهما من النقاش، فالدولة اليهودية قامت على أنفاض شعب آخر، الشعب الأصلاني، صاحب الأرض، وارتكبت عند تأسيسها أفظع عملية تطهير عرقي، وهي لا تزال دولة احتلال، وتحتل شعبا آخر، ودولة فصل عنصري، ومؤخرا ومنذ السابع من أكتوبر عام 2023 ارتكبت هذه الدولة الابادة الجماعية، وارتكب جيشها أبشع جرائم الحرب، وهي تترك عصابات ارهاب المستوطنين تفتك بالفلسطينيين في الضفة وتحرق ممتلكاتهم.
الصدمة التي واجهها بن غوريون بعد تأسيس الدولة ان يهود اوروبا لم يهرعوا للقدوم اليها والإقامة فيها، لذلك قام بما لم يكن يرغب القيام به وهو جلب اليهود العرب والشرقيين إلى إسرائيل في خمسينيات القرن العشرين ليملأ بهم الاراضي والقرى والمدن التي شُرِدَ منها الفلسطينيون.
كما لم تنجح الدولة اليهودية (إسرائيل) حتى الآن في جذب اليهود الغربيين (الأشكناز) للقدوم اليها، فاليهود الشرقيون (المزراحي والسفارديم) عددهم اليوم في إسرائيل يفوق عدد اليهود الغربيين (45 بالمئة من سكان إسرائيل هم من اليهود الأشكناز. بالمقابل هناك 48 إلى 50 بالمئة سفارديم ومزرحيم) في حين ان نسبة اليهود الغربيين من مجمل يهود العالم هي حوالي 70 بالمئة، مقابل 30 بالمئة يهود شرقيين، أي ان أقل من ربع اليهود الغربيين قدموا إلى إسرائيل وقبلوا بها وطننا لهم، مقابل أن اكثر من نصف اليهود الشرقيين هم اليوم في إسرائيل.
قبل السابع من أكتوبر، أي قبل أن تقوم حماس بالطوفان، كانت إسرائيل تعيش أزمة داخلية عميقة، كادت أن تقود إلى حرب أهلية، حول هوية الدولة، وتحديدا حول ديمقراطية الدولة، ومسألة سيادة القانون، وفي حينها من ناهض أكثر وبشكل أشد مساعي الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة لفرض السيطرة على الدولة، هم بالأساس اليهود الغربيون (الاشكناز)، فيعود لهؤلاء الدور الرئيسي في تأسيس الدولة، وان تكون هذه الدولة، دولة قانون ومؤسسات، دولة ديمقراطية على النمط الأوروبي.
كان خوف الأشكناز ولا يزال، ان تفقد إسرائيل طابعها الديمقراطي، لأنها ان فقدت بسبب محاولات اليمين المتطرف للهيمنة على الدولة، فهذا من وجهة نظرهم سيحول إسرائيل إلى دولة طاردة لليهود الغربيين بشكل خاص، ولكل النخب اليهودية التي عاشت في مجتمعات ديمقراطية.
قبل "طوفان حماس"، وفي ذروة الأزمة الداخلية في إسرائيل، كان هناك نقاش بين يهود العالم حول سؤال: ما اهمية وجود دولة يهودية غير ديمقراطية؟ والبعض كان يذهب بالسؤال، وقد يكونون أقلية، لكنهم مؤثرون، ما اهمية وجود دولة يهودية غير أخلاقية وغير ديمقراطية؟ بالتزامن مع نقاش آخر يدور على فكرة ما بعد الصهيونية.
هذه الأسئلة وهذا النقاش أخذ طابعا اكثر حدة بعد ان تورطت وارتكبت إسرائيل حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وتصعيد إرهاب المستوطنين في الضفة.
لا يمكن لدولة عمرها 78 عاما فقط شنت او خاضت أكثر من 20 حربا، ان تكون دولة طبيعية، أو ان لا يتم طرح الأسئلة بشأنها، وبشأن تكلفة وجودها على اليهود والحلفاء.
قد لا يكون النقاش قد اختمر بما يكفي، ولكن عندما يقرر حوالي ربع مليون يهودي مغادرة إسرائيل في السنوات الأخيرة، فهذا بحد ذاته سؤال كبير مطروح للنقاش لدى يهود العالم، وإذا ما كانت الدولة اليهودية مفيدة لليهود او أنها تلحق بهم الضرر؟
مواضيع ذات صلة
قلنديا... مخيم اللاجئين الذي ينتظر أن يراه العالم
اليهود والدولة اليهودية... الفوائد والأضرار
القدس فوق كل الاعتبارات...
قسم أبحاث الزيتون في مواجهة التغير المناخي.. هندسة المواجهة وحماية الإنتاج (4 من 10)
قطاع غزة والضفة.. والوحدة الممنوعة
الديمقراطية.. موالاة للوطن لا مراهقة سياسية
قسم أبحاث الزيتون.. الفجوة بين الواقع والمطلوب في البحث العلمي