عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 04 آب 2026

الديمقراطية.. موالاة للوطن لا مراهقة سياسية

سؤال عالماشي- موفق مطر

ليست الديمقراطية مولوداً يحتفل بعيد ميلادها في السنوات الكبيسة! ولا كتابا مترجما لمؤلف مشهور يروج بالدعاية كالسلع التجارية! ولا مناسبة لاستعراض قدرات الخطابة، وخط الشعارات الطوباوية، ولا حلبة مصارعة كلامية، أو آلة خارقة تحول السحاب إلى أمطار من الوعود وصناعة الأحلام، كما أنها ليست خلطة جاهزة معلبة، وليس على (المستهلك) إلا اتباع تعليمات الاستعمال، لأنها خلاصة تجارب وصراع أفكار تنويرية، مع مفاهيم لو عرضت على صخر كان في زمان شيوعها لتكسر حزنا على إنسان هذا العصر من شدة ثقلها، إنها خلاصة حوارات ونقاشات بين الأنا الرغبوية السلطوية المتعصبة العصبوية، وبين الأنا الرافعة لمصالح الكل، والمنسجمة باتساق وجمال في لوحة الوطن...فالديمقراطية ثقافة، والثقافة معرفة لا تؤتى إلا بالحرية التي لا تمنح، ولا تباع ولا تشترى، ذلك أنها – الحرية – روح المخلوقات المقدسة، فمنحها الإنسان- وهو أرقاها – معانيها...الديمقراطية منهج علمي، نظري وعملي، مشتق من قيم الأخلاق في وجهه الأول، وتربوي يخضع والأعمال لرقابة العقل، والتزام بالقانون لا يحتمل الاستثناء.

لا يجوز اختزال الديمقراطية بصندوق الاقتراع ولا بآلية الاختيار، والإجراءات النظامية السابقة واللاحقة، فهذه محددة في القانون وتوجيهات الهيئة المختصة ومعلومة وفي متناول من يشاء، فما بين الإيمان بالديمقراطية كمنهج للحياة، وبين لحظة بلوغ صندوق الاقتراع لأداء حق الاختيار القانوني المكفول والمضمون بالنزاهة والشفافية والأمانة من "حرس الديمقراطية" طريق طويل ووعر، تكثر فيه المنعطفات والمنعرجات الخطيرة، وحوادث الانزلاق، نتيجة التهور والتسرع بحرق المراحل إذا اختزلت الديمقراطية برقم النسبة المئوية للناخبين، أو بفوز قائمة حزبية، أو أفراد مستقلين، ثم يعود المحتفلون إلى بيوتهم، والفائزون يتهيأون للجلوس على كرسي التشريع، لكن كل شيء يبقى على حاله، بدون ملامح للغد، حتى وإن كانت أيام الدعاية نشطة، فالصخب والضجيج ليس كالحيوية المثيرة للعقول والأذهان، وذات هذا الطريق سيكون قصيرا ومرصوفا بعناية، حيث حلت الجسور مكان المنعرجات الخطيرة، وحيث يستشعر المرء الأمان، ذلك أن التأني والسير على مراحل وبانتظام، يجعلانه يمضي بأمان وفق خريطة طريق وبرنامج عمل لكل محطة .

الديمقراطية كالمولود، يحتاج لعناية لتأمين الصحة البدنية والنفسية اللازمة لنموه، ولا بد من برامج توجهه وتعلمه، وترسم دروبه بأنظمة ولوائح حتى ينضج، ويكبر بعلمه ومعرفته وأخلاقه وإبداعه، حتى يصير كمؤسسة بواقع شخص – أنثى أو ذكر – وشخصا لا يرى ذاته كيانا خارج إطار المؤسسة، التي من شروط الحفاظ على ديمومتها سالمة وآمنة ألا يؤخذ الجمع أو الحشد بديلا عن قواعد ومبادئ وأهداف منهج المؤسسة أما الوعي فهو كسن الرشد المطلوب لمعرفة الفارق بين اتخاذ الديمقراطية كبالون، ينفخ حتى يبدو حجمه لافتاً، لكنه سرعان ما ينفجر عند أول اصطدام! وبين اتخاذها كصرح متطور باستمرار، مصمم بعقلية إبداعية خلاقة، ولحظة فارقة تمكنه من إضافة نوعية تعزز قوة وجمالية وتميز الصرح..وما بين هذا وذاك يقف الرقيب الموثوق، الحكيم في استخلاص الأحكام من التجارب المتراكمة - التي كاد بعضها يكون قاتلا- لنظم المسار وضبط الحركة، وفقا لصلاحياته القانونية، حتى لا تصبح الصناديق لعبة مراهقين سياسيين شيبا وشبانا، يتخذون صناديق الاقتراع وسيلة لتمرير مشاريعهم الخاصة الفئوية، وليحولوا مقدرات البلاد في يد موظف لدى دول وقوى متكسبا من خدمة أجنداتها!

فالديمقراطية ليست حلبة تحت خيمة سيرك متنقلة نحو اتجاهات متعددة، يبهر محترفو الاستعراض الجمهور بألعابهم وخفة أيديهم وألوانهم وحركاتهم البهلوانية، بل هي ميدان ثابت، بطول وعرض الوطن، يتنافس تحت قبة سمائه محترفو العطاء لتقديم الأحسن والأفضل لأبنائه، فالمتنافسون موالون للوطن حسب المنهج الحق للديمقراطية، وهذا منطق حركات التحرر الوطنية، والدول المستقلة ذات السيادة أيضا.