غزة.. حين يصبح المواطن آخر من يُسأل
د. حكمت نبيل المصري*

لم يعد المواطن الغزي يبحث عن المنتصر في معركة البيانات السياسية، ولا عن الطرف الذي يحقق مكسبًا تفاوضيًا أكبر. ما يبحث عنه اليوم أبسط من ذلك بكثير: هدنة تنهي القتل، ومأوى يحفظ كرامته، وطعام يسد جوع أطفاله، ومستقبل لا يُبنى على الركام.
في الأشهر الأخيرة، بدا واضحًا أن مسار الأحداث تجاوز إرادة الأطراف المحلية، وأن القرارات الكبرى باتت تُصاغ وفق حسابات إقليمية ودولية معقدة. وفي هذا السياق، جاءت موافقة حماس على المقترحات المطروحة بعد فترة من الرفض والتردد، وهو ما يراه كثيرون انعكاسًا لتغير موازين القوى أكثر من كونه خيارًا سياسيًا حرًا.
لكن السؤال الذي يشغل الغزي اليوم ليس: من قدّم التنازل؟ بل: لماذا دفع المواطن وحده ثمن كل مراحل التفاوض، من الرفض إلى القبول؟ ولماذا تُتخذ القرارات الكبرى بعد أن يكون المجتمع قد استنزف كل ما يملك من أرواح ومنازل ومقومات حياة؟
لقد تحول المواطن في غزة إلى الطرف الأقل تأثيرًا في صناعة القرار، والأكثر تحملًا لنتائجه. فكل تأخير في الوصول إلى تفاهمات يعني مزيدًا من الضحايا، ومزيدًا من الدمار، ومزيدًا من الأسر التي تفقد ما تبقى لها من أمل.
إن القيمة الحقيقية لأي اتفاق أو مبادرة لا تُقاس بما تحققه الفصائل من مكاسب سياسية، بل بما تعيده للناس من حقهم في الحياة. فالتاريخ قد يختلف في تقييم مواقف الأطراف، لكنه لن يختلف في حقيقة واحدة: أن المواطن الغزي كان، ولا يزال، الخاسر الأكبر في كل جولة من هذا الصراع.
* صحفي وكاتب مختص في الشؤون الدولية وباحث في قضايا العدالة والنزاعات المسلحة
مواضيع ذات صلة
من عقوبات على المستوطنين إلى عقوبات على إسرائيل
الموظف الفلسطيني يستحق الشكر والتقدير
سلسلة تاريخ عصر الزيتون: الخارطة الزيتونية لعام 1943 والريادة الهندسية لـ"معصرة فياض الخضر" (الحلقة 4)
ليس كل من غادر كان سيئا... وليس كل من بقي كان بطلا
أم السفير التي انتظرت طويلا.. رحلت أمّ الحبيب بن فرح أمس
الشرق الأوسط وحروبه.. وحروب الآخرين
سلسلة تاريخ عصر الزيتون: ثورة "رافاناس" الهيدروليكية في القرن الـ 19 ومعادلة تعظيم الجفت (الحلقة 3)