عندما لا تكفي الوسوم .. قراءة في تعثر حراك 26 يونيو
مريم شومان

منذ أن تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة رئيسية لتشكيل الرأي العام لم تعد الأحداث الكبرى تبدأ من الميادين وحدها، بل أصبحت تنطلق في كثير من الأحيان من شاشة هاتف ذكي ومن هاشتاغ يتصدر المنصات أو مقطع فيديو يحصد ملايين المشاهدات خلال ساعات، وقد شكلت التجارب التي رافقت ما سُمي بـ "الربيع العربي" نموذجا بارزا للدور الذي لعبته منصات التواصل في تسريع تداول المعلومات وتوسيع دائرة الاهتمام الجماهيري قبل أن تنتقل الأحداث إلى الشارع، وبعيدا عن تقييم تلك التجارب سياسيا فإنها رسخت حقيقة متفقا عليها لدى خبراء الإعلام والاتصال وهي أن المنصات الرقمية أصبحت جزءا أساسيا من معادلة التأثير لكنها ليست العامل الوحيد في نجاح أو تعثر أي حراك مجتمعي.
وأعاد حراك الـ 26 يونيو في غزة طرح السؤال ذاته: لماذا لم يتحول هذا الزخم الذي بدا واضحا على منصات التواصل إلى حضور ميداني واسع؟ وهل كان التعثر نتيجة قصور في أدوات الحشد الرقمي أو غياب التخطيط الإعلامي أم أن الظروف الإنسانية والأمنية الاستثنائية التي يعيشها القطاع فرضت واقعا مختلفا يصعب معه إسقاط تجارب أخرى عليه؟
خلال الفترة القصيرة الماضية تابعت عشرات المنشورات التي واكبت الدعوات للحراك ولوحظ أن الجانب الإعلامي والرقمي كان حاضرا بقوة في تفسير ما حدث سواء من حيث نقاط القوة أو مواطن القصور، فقد نجحت الدعوات الالكتروني في إثارة نقاش واسع وإشغال مساحة كبيرة من الفضاء الرقمي إلا أنها لم تتمكن من بناء حالة إعلامية متماسكة أو إنتاج رواية موحدة تستقطب مختلف شرائح المجتمع وهو ما انعكس على قدرتها في الانتقال من التفاعل الإلكتروني إلى التأثير الميداني.
إن ارتفاع أعداد المشاهدات أو المشاركات أو التعليقات لا يمثل بالضرورة مؤشرا على وجود استعداد فعلي للخروج إلى الشوارع، فالتفاعل الرقمي قد يعكس التعاطف أو الاهتمام أو الرغبة في متابعة الحدث لكنه لا يترجم تلقائيا إلى مشاركة عملية، خصوصا في البيئات التي تتداخل فيها الاعتبارات الإنسانية والاجتماعية والأمنية.
ولعل أبرز ما كشفت عنه هذه التجربة هو أن أزمة الرسالة الإعلامية سبقت أزمة الحشد، فالحملات الرقمية الناجحة تقوم عادة على أهداف دقيقة ورسائل مختصرة وخطاب إعلامي متماسك يسهل تداوله وإعادة إنتاجه، بينما بدا الخطاب المصاحب للحراك متعدد الاتجاهات واختلطت فيه المطالب الإنسانية والسياسية والإدارية دون وجود أولويات واضحة أو برنامج إعلامي متفق عليه، ما فتح المجال أمام تعدد التفسيرات وتباين القراءات وأضعف القدرة على تشكيل رأي عام مستقر حول أهداف المبادرة.
كما أن غياب متحدثين إعلاميين يمثلون الحراك بصورة واضحة وعدم وجود منصات رسمية تقدم المعلومات أولا بأول أفسح المجال أمام انتشار التأويلات وتعدد الروايات، وهي ثغرة كثيرا ما تؤثر في الحملات الرقمية التي تعتمد على المبادرات الفردية أكثر من اعتمادها على العمل المؤسسي المنظم.
ومن الدروس المهمة التي أفرزتها التجربة أن الصراع في العصر الرقمي لم يعد يدور في الميدان وحده بل أصبح الفضاء الإلكتروني ساحة موازية تتنافس فيها السرديات وتتسابق فيها الرسائل ويُعاد من خلالها تشكيل الانطباعات العامة، إضافة إلى انتشار حملات تضمنت منشورات هدفت إلى التشكيك في الدعوات أو التقليل من أهميتها أو مهاجمة القائمين عليها للتأثير في النقاش العام، ما يعني أن إدارة أي حراك في البيئة الرقمية لم تعد تقتصر على نشر الدعوات وإنما تستوجب امتلاك أدوات للرصد السريع والاستجابة للمعلومات المضللة وتقديم الرواية الموثقة في الوقت المناسب مع الحفاظ على خطاب إعلامي هادئ ومتوازن قادر على كسب ثقة الجمهور.
الجانب المهم الآخر هو أن الخوف لم يعد مرتبطا بالميدان فقط بل امتد إلى الفضاء الالكتروني نفسه، فوسائل التواصل أصبحت مساحة للتعبير عن الرأي لكنها قد تتحول أيضا إلى مصدر للقلق لدى بعض المستخدمين إذا شعروا بأن نشاطهم الرقمي قد يترتب عليه تبعات شخصية أو اجتماعية، وتمت ملاحظة وجود مخاوف من حملات التخوين او التشهير أو التهديد عبر وسائل التواصل وهو ما قد يفسر إحجام بعض المستخدمين عن التفاعل العلني أو الاكتفاء بالمتابعة دون الانخراط المباشر في النقاشات العامة.
وتبرز هنا أهمية الانتقال من العفوية إلى الاحتراف في إدارة الحملات الرقمية، فنجاح أي مبادرة في العصر الرقمي لا يعتمد على كثافة النشر فحسب، وإنما على وجود فرق متخصصة في إنتاج المحتوى وتحليل البيانات وإدارة الأزمات الإعلامية والتواصل مع وسائل الإعلام، إضافة إلى إعداد متحدثين يمتلكون القدرة على توحيد الرسائل وشرح الأهداف والرد على الاستفسارات في الوقت المناسب.
كما أن أي حراك رقمي يحتاج إلى بناء الثقة مع الجمهور قبل موعد إطلاقه من خلال حوارات مجتمعية وشرح الرؤية وتوضيح الأهداف وإتاحة المجال للنقاش بما يسهم في تحويل المبادرة من دعوة عابرة إلى مشروع مجتمعي يحظى بتأييد أوسع.
وإذا كانت تجربة الـ 26 من يونيو قد انتهت دون تحقيق ما كان يأمله الداعون إليها فإنها في المقابل قدمت مجموعة من الدروس المهمة في مجال الإعلام الرقمي أبرزها أن الوسوم وحدها لا تصنع رأيا عاما وأن كثافة المنشورات لا تعني بالضرورة وجود تنظيم أو قدرة على الحشد وأن المحتوى المؤثر يحتاج إلى رؤية متكاملة ورسالة واضحة وإدارة إعلامية احترافية قادرة على مواكبة تطورات المشهد لحظة بلحظة.
كما تؤكد التجربة أن نجاح أي حملة مستقبلية يتطلب إعداد استراتيجية اتصال رقمي متكاملة قبل إطلاقها وتحديد أهداف دقيقة وقابلة للقياس وتوحيد الرسائل الإعلامية وتشكيل فرق متخصصة لرصد المحتوى والرد على المعلومات غير الدقيقة وإعداد متحدثين إعلاميين وتنويع المنصات المستخدمة وإنتاج محتوى بصري احترافي وتعزيز التواصل مع وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية والدولية إلى جانب إجراء تقييم دوري للحملات الرقمية وقياس أثرها وفق مؤشرات أداء واضحة.
وما بين العالم الافتراضي والواقع الميداني تبقى المسافة أكبر من مجرد ضغطة زر ويظل النجاح مرهونا بقدرة أي مبادرة على تحويل التفاعل الرقمي إلى فعل مجتمعي منظم يستند إلى رؤية واضحة وأدوات احترافية وهو الدرس الأبرز الذي يمكن استخلاصه من تجربة حراك 26 يونيو.
مواضيع ذات صلة
عندما لا تكفي الوسوم .. قراءة في تعثر حراك 26 يونيو
حكومة د. مصطفى.. بين التحديات ومتطلبات الصمود
معيار اليد الواحدة.. إطار جديد لإدارة المسؤولية وتعزيز الثقة في سلاسل التوريد
خطر الدويلات الطفيلية على الدولة الوطنية!
الشرق الأوسط والاحتمالات
فلسطين ومعيار الشرعية الإقليمية
ذلك اليوم! تسألني عن ذلك اليوم؟!