عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 29 حزيران 2026

الشرق الأوسط والاحتمالات

باسم برهوم

في منطقة كالشرق الأوسط عليك ان تقلب الاحتمالات كل يوم مع قهوة الصباح،  وغالبا ما تسقط رغباتك على احتمالاتك، فإما  أن تنتصر او تبرر للطرف الذي تميل اليه.  او تسقط عليها مزاجك فتكون الأمور اما قاتمة او كشروق الشمس في يوم ربيعي. والأكثر غرابة، وهو السائد ان تجعل الخبر اليومي يتحكم بعقلك صعودا وهبوطا كبورصة Wall Street. المستشرقون والاستعماريون الذين جاءوا للمنطقة قبل الحرب العالمية الأولى، قبل سايكس بيكو، وصفوا الناس في منطقتنا بانهم كسالى، ومن بين هؤلاء الاستعماريين سايكس نفسه،  اما من جاء منهم بعد التجزئة وصفوا الناس انهم متقلبون وانقلابيون ولا يستقرون على رأي وتتحكم بهم عواطفهم، ولم يتحدث المستشرقون عن الانقلاب والزلزال الكبير الذي اصاب المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى وجعل سكانها هكذا.

اغلب المواطنين العرب لا يزالون في مربع البحث عن الهوية، اعتقد العرب انهم بعد نكبة فلسطين عام 1948 قد استعادوا هويتهم، او ان هناك هوية توحدهم،  بعد ان اصابت الهزيمة المدوية المشاريع القطرية  الوطنية الناشئة، واصابت فكرة الجامعة العربية، التي كانت تأسست لتقود العرب تدريجيا نحو الوحدة.  الاعتقاد بأننا استعدنا الهوية،  تعزز مع انقلاب الضباط الاحرار في مصر في  23 يوليو 1952، وصعود المشروع القومي الوحدوي مع عبد الناصر.

ولكن مع الهزائم المتكررة، عدنا للنقطة الصفر نقطة البحث عن هوية، لذلك نحن في لحظة نأمل فيها ان يأتي المنقذ من خارجنا.  لحظة نسقط فيها أكثر رغباتنا، لحظة من عدم اليقين، لذلك نحن في الغالب لا نصلح لقراءة فنجان الاحتمالات الصباحي، غير قادرين على امتلاك منهج لتوقع الاحتمالات، وغالبا ما نكمل يومنا ونحن نردد مقولة إننا في منطقة متقلبة، منطقة الرمال متحركة.

البداية لفهم الواقع علينا ان نجري استطلاعا للرأي في فلسطين، للإجابة على سؤال هل انت  فلسطيني اولا؟ ام عربي أو مسلم او مسيحي اولا؟ والسؤال نفسه في سوريا والأردن ولبنان ومصر وغيرها من الدول. وبهدف تقريب الفكرة، لو توجهنا بالسؤال إلى اللبنانيين لكانت الإجابات على الأغلب انا ماروني اولا  او انا شيعي، او انا مسلم سني، او مسيحي ارثوذكسي، وتأتي الهوية الوطنية ثانيا، اما الهوية العربية فهي إشكالية أخرى.

هناك من يعتقد اننا في فلسطين لا نعيش المشكلة ذاتها، ولكن إذا سألت فلسطينيا عضوا في حماس او الجهاد وحتى مواطنين عاديين، على الأغلب ستكون إجابته عقائدية الى حد كبير، المقصود هنا ليس ان نقرر اي الهويات هي الاهم، انما ان نلاحظ ان الاحتمالات تلد في المنطقة من الرغبات اكثر منها منهج تفكير علمي. وربما بشكل أدق عدم القدرة على فهم الاحتمالات ناجم من غياب تحديد الهوية، وهذا لا يعني ان الهوية وحدها تكفي لجعل صاحبها قارئا جيدا للاحتمالات، فالاحتمالات مسألة موضوعية لا يمكن قراءتها بالعواطف والغرائز، لذلك يشعر العقلانيون في المجتمعات العربية بالعزلة.

لنعود للحدث الراهن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وما نجم عنها من اتفاق مؤقت غالبا ما تسقط رغباتنا كلمة مؤقت. وتعطيه صفة الإطلاق، ونقرر المنتصر والمهزوم كلمة مؤقت هي الاحتمالات المفتوحة. هناك مشكلة، وهي اننا نبحث بين الاخبار والآراء عمّا يعزز رغباتنا، وليس ان نقرأ بطريقة موضوعية. وبالتالي تتعزز فينا الغريزة.

في الحالة الفلسطينية، هناك نقطة مركزية ان يبدأ  الشخص من تحديد هويته بدقة ويقول "انا فلسطيني" فإذا حدد هويته بهذه الطريقة، يمكنه ان يحدد بشكل معقول اكثر ماذا يريد، ان يحدد اهدافه بدقة، مصالحه، ان يحدد سياساته، ورؤاه، وأي مسلك سياسي يخدم اكثر مصالحه بدقة، ومن ثم تأتي الهوية القومية، لان ما يربطك بالسوري او اللبناني مهما كان دينه هو الهوية العربية.