حين يرحل حارس لذاكرة جامعة

نابلس – الحياة الجديدة – بشار دراغمة- للجامعات ذاكرتان، ذاكرة تحفظها الأرشيفات في ملفات متعددة الألوان، وذاكرة تحفظها القلوب في وجوه لا تنسى.
الأولى تبقى على الرفوف، أما الثانية، فإذا رحل أصحابها شعرت الأبنية كلها أنها كبرت دفعة واحدة.
أمس الأول، لم تنع جامعة النجاح الوطنية عميدا سابقا لشؤون الطلبة، بقدر ما ودعت واحدا من حراس ذاكرتها، الرجل الذي تعاقبت عليه دفعات الطلبة حتى صار وجهه جزءا من تعريف الجامعة، كما تعرف الساحات بأشجارها، والممرات بخطوات العابرين فيها.
وتبقى للأماكن أعمار لا تقاس بعدد سنواتها، بل بعدد الذين يتركون فيها أرواحهم.
ولهذا لا تكبر الجامعات حين تشيد مبان جديدة، ولا تشيخ حين تتصدع جدرانها، إنها تشيخ يوم يرحل أولئك الذين حفظوا أسماءها في قلوب الناس أكثر مما حفظتها اللافتات عند بواباتها.
الذاكرة أيضا تموت، لكن ليس دفعة واحدة، بل قطعة قطعة، تموت كلما غاب وجه كنا نظنه جزءا من المكان، حتى إذا التفتنا ذات يوم، اكتشفنا أن المكان ما عاد هو ذاته.
مساء الأحد، لم يرحل موسى أبو دية وحده، رحل معه فصل كامل من ذاكرة جامعة النجاح الوطنية.
كان موسى أبو دية من أولئك الذين لا يحتاجون إلى منصب ليبقوا في الذاكرة، غادر مكتبه منذ سنوات، لكنه لم يغادر أحاديث الخريجين، كل دفعة كانت تحمل منها صورة مختلفة، لكن الجميع يتفق على الرجل ذاته، ذلك الذي كان يفتح قلبه قبل باب مكتبه.
الدكتور ياسر أبو بكر واحد من هؤلاء، اليوم يشغل موقعا قياديا في حركة فتح ومجلسها الثوري، لكنه حين كتب عن موسى أبو دية، كتب بلسان الطالب الذي لم ينس معلمه.
يقول إن الراحل لم يكن مسؤولا جامعا فحسب، بل كان أبا ومربيا وملاذا للطلبة، يفتح قلبه قبل مكتبه، ويعامل الجميع بمحبة واحترام وإنسانية، ويرى أن ما تركه الرجل لم يكن منصبا، بل أثرا، فالكلمة الطيبة، كما يقول، لا تدفن مع صاحبها، بل تعيش طويلا في ذاكرة من سمعها.
ولعل هذه هي أعظم سيرة يمكن أن يتركها إنسان، أن يغيب جسده، بينما تبقى أخلاقه تمارس حضورها كل يوم.
أما غسان دراغمة، فلم يرث رجلا بقدر ما ودع زمنا. وكتب على صفحته على فيسبوك: "ورحل فارس من فرسان الزمن الجميل".
وفي جملة واحدة، أعاد بناء صورة جيل كامل، كان يرى في الانتماء قيمة، وفي البساطة قوة، وفي الرجولة موقفا، لا شعارا.
يصف دراغمة الراحل بأنه جمع الولاء والبساطة الريفية والذكاء الفطري والأبوة والحنان، وكأنه لا يتحدث عن مسؤول جامعي، بل عن واحد من الرجال الذين كانت الأماكن تكتسب هيبتها بوجودهم.
أما إياد الأقرع مدير شؤون الطلبة في جامعة النجاح والذي كان طالبا بينما كان أبو دية عميد شؤون الطلبة فقد عرفه من زاوية مختلفة.
لم يكن طالبا هذه المرة، بل زميلا في عمادة شؤون الطلبة لعشر سنوات كاملة، عشر سنوات تكفي لاكتشاف الإنسان حين تسقط عنه الرسميات.
ويقول إن الرجل الذي عرفه لم يكن مسؤولا يختبئ خلف مكتبه، بل أخا كريما وصديقا وفيا يتقدم الصفوف كلما احتاجه طالب أو زميل، ولا يتردد في خدمة أحد.
ويؤكد أن الجامعة فقدت برحيله قامة تربوية ووطنية أفنت سنوات عمرها في خدمة الطلبة، وأن أثره سيظل حاضرا في نفوس كل من عمل معه، لأن الإخلاص في النهاية، هو أكثر الصفات مقاومة للنسيان.
أما تمارا حبايبة، فقد اختارت أن تنظر إلى المشهد بعين المكان.
كتبت أن أثر الراحل سيبقى حاضرا في كل طالب وجد فيه الأب والناصح، وفي كل زميل عرف فيه حسن الخلق وصدق الموقف، وفي كل زاوية من الجامعة شهدت سنوات عطائه.
وكأنها كانت تقول إن بعض الناس لا يرحلون من الأماكن التي أحبوها، إنهم يتحولون إلى جزء من جدرانها.
مواضيع ذات صلة
بطيخ جنين يعود إلى الواجهة
عودة لـ "الحياة الجديدة": منصة الشراء الإلكتروني تفتح باب المنافسة وتغلق منافذ التدخلات
حين يرحل حارس لذاكرة جامعة
خلافا للقاعدة ..لماذا فقد الذهب بريقه خلال الحرب؟
الاحتلال يشرع بتسقيف صحن الحرم الإبراهيمي استكمالاً لمخطط تهويده
الاحتلال يصعد عدوانه شرق جنين ويواصل اقتلاع أشجار غربها
الشيخ يستقبل القنصل العام الفرنسي وممثلة الكونفدرالية السويسرية في لقاءين وداعيين