معيار اليد الواحدة.. إطار جديد لإدارة المسؤولية وتعزيز الثقة في سلاسل التوريد
المهندس شادي شري

بعد سنوات طويلة من العمل في مواقع البناء، ومتابعة مئات المشاريع، لم يكن أكثر ما لفت انتباهي كثرة المشكلات المرتبطة بمواد البناء، ولا سيما المواد التي تعتمد في تركيبها على الصناعات الكيميائية، بل التشابه اللافت في أسباب تلك المشكلات.
ومع مرور الوقت، أدركت أن كثيراً من الأعطال التي تُنسب إلى المنتجات لم تكن ناتجة عن عيب في تصنيعها، وإنما عمّا تعرضت له بعد مغادرتها المصنع. ولم يكن هذا الاستنتاج ثمرة حادثة واحدة أو تجربة عابرة، بل نتيجة سنوات من المعاينة الميدانية، ومتابعة حالات تكررت فيها الأنماط ذاتها حتى برز سؤال ظل غائباً عن معظم النقاشات: من يتحمل المسؤولية عن المنتج بعد أن يغادر المصنع؟
لقد اعتدنا، في قطاع الإنشاءات، أن نقيس جودة المنتجات بما تحمله من مواصفات فنية، وما تحصل عليه من شهادات واعتمادات، وهي جميعها معايير لا غنى عنها. غير أن جودة المنتج عند خروجه من المصنع لا تعني بالضرورة أن المنتج الذي يصل إلى موقع التنفيذ هو المنتج نفسه بكل خصائصه الفنية.
فخلال رحلة المنتج داخل سلسلة التوريد قد يتعرض للتقليد، أو إعادة التعبئة بمواد مختلفة، أو التلاعب بتاريخ إنتاجه أو انتهاء صلاحيته، أو التداول عبر قنوات مجهولة المصدر، كما قد يتعرض لسوء التخزين أو النقل في ظروف أفقدته جزءاً من خصائصه. وعندما يحدث ذلك، يبقى الاسم التجاري كما هو، بينما تتغير حقيقة المنتج، فتنتقل الثقة التي بناها المصنع إلى منتج لم يعد يمثل من صنعه.
وهنا تكمن المفارقة. فالشركات العالمية أنفقت عقوداً في تطوير منتجاتها وبناء سمعتها، بينما قد تتعرض تلك السمعة للتشويه بسبب ممارسات وقعت خارج مصانعها وخارج نطاق مسؤوليتها. كما أن المهندس الذي اعتمد المادة، والمقاول الذي استخدمها، وصاحب المشروع الذي استثمر فيها، قد يجدون أنفسهم أمام مشكلة يصعب تحديد المسؤول الحقيقي عنها، لأن المسؤولية أصبحت موزعة بين أطراف متعددة، ولكل طرف روايته الخاصة.
هذه الملاحظة قادتني إلى إعادة التفكير في زاوية مختلفة. فبدلاً من الاكتفاء بالسؤال التقليدي: هل المنتج مطابق للمواصفات؟ أصبح السؤال الذي أراه أكثر أهمية هو: هل المسؤولية عن هذا المنتج واضحة منذ خروجه من المصنع وحتى وصوله إلى المستخدم النهائي؟ فالمواصفات الفنية تقيس جودة التصنيع، لكنها لا تقيس سلامة رحلة المنتج داخل السوق، ولا تحدد الجهة التي تتحمل مسؤوليته إذا تعرض للتلاعب أو فقد جزءاً من خصائصه قبل استخدامه.
ومن هنا جاءت فكرة معيار اليد الواحدة، وهو إطار لإدارة المسؤولية داخل سلاسل التوريد، يقوم على مبدأ بسيط مفاده أن وضوح المسؤولية يعزز الثقة ويجعل المساءلة أكثر فاعلية. ويُترجم هذا المبدأ عملياً بأن يكون لكل منتج داخل السوق جهة وكيلة أو موزعة واحدة معتمدة تتحمل مسؤولية تداوله منذ خروجه من المصنع وحتى وصوله إلى المستخدم النهائي، بما يضمن وضوح جهة المساءلة، ويحد من تعدد قنوات توريد المنتج ذاته وما قد يصاحبه من صعوبة في تتبع مصدره أو التحقق من سلامة رحلته داخل سلسلة التوريد.
فكلما كانت الجهة المسؤولة عن المنتج معروفة ومحددة، وكلما كانت علاقتها بالمصنع وسلسلة التوريد قابلة للتحقق، أصبحت فرص اكتشاف أي تلاعب أكبر، وأصبح التنصل من المسؤولية أكثر صعوبة، وارتفعت كلفة الغش على من يفكر في ممارسته.
ولا يدعو معيار اليد الواحدة إلى الاحتكار، كما لا يدّعي أنه يمنع الغش بصورة مطلقة، ولا يقدم نفسه بديلاً عن المواصفات الفنية أو أنظمة الجودة أو التشريعات الرقابية. إنه يضيف بعداً آخر إلى منظومة الجودة، يتمثل في إدارة المسؤولية. فالجودة تجيب عن سؤال: كيف صُنع المنتج؟ أما معيار اليد الواحدة فيجيب عن سؤال مختلف: من يتحمل المسؤولية عن المنتج بعد أن يغادر المصنع؟ وهذان السؤالان لا يتنافسان، بل يكمل أحدهما الآخر.
إن القيمة الحقيقية لهذا المعيار لا تكمن في اسمه، بل في الفكرة التي يقوم عليها. فالسوق الذي يعرف فيه الجميع الجهة التي تتحمل مسؤولية كل منتج، هو سوق أكثر قدرة على حماية المستهلك، وحماية الشركة المصنعة، وحماية المورد الملتزم، وتمكين المهندس من اتخاذ قرار أكثر ثقة وموضوعية. فوضوح المسؤولية لا يمنح ضماناً مطلقاً، لكنه يغيّر سلوك السوق، ويجعل الغش أكثر كلفة، واكتشافه أكثر سهولة، والمساءلة أكثر سرعة.
لقد احتاج العالم إلى سنوات طويلة حتى أصبحت الجودة جزءاً أصيلاً من ثقافة الصناعة، وربما آن الأوان لأن تصبح إدارة المسؤولية جزءاً أصيلاً من ثقافة سلاسل التوريد أيضاً. فالمشكلة ليست دائماً فيما خرج من المصنع، بل كثيراً ما تكون فيما وصل إلى موقع التنفيذ، وبين هاتين النقطتين تتحدد الثقة، وتتحدد المسؤولية، وتتحدد في النهاية جودة ما نبنيه.
ولعل أهم ما أطمح إليه من خلال طرح معيار اليد الواحدة ليس أن يتفق الجميع مع تفاصيله، بل أن يطرح كل مهندس، وكل مدير مشتريات، وكل مقاول، وكل صاحب مشروع، سؤالاً بسيطاً قبل اعتماد أي مادة: من هو المسؤول الحقيقي عن هذا المنتج منذ اللحظة التي غادر فيها المصنع وحتى اللحظة التي وصل فيها إليّ؟ فإذا أصبح هذا السؤال جزءاً من ثقافة السوق، فسأعتبر أن معيار اليد الواحدة قد بدأ يحقق غايته، لأن الثقة لا تكتمل إلا عندما تكون المسؤولية واضحة والمساءلة قائمة.
مواضيع ذات صلة
عندما لا تكفي الوسوم .. قراءة في تعثر حراك 26 يونيو
حكومة د. مصطفى.. بين التحديات ومتطلبات الصمود
معيار اليد الواحدة.. إطار جديد لإدارة المسؤولية وتعزيز الثقة في سلاسل التوريد
خطر الدويلات الطفيلية على الدولة الوطنية!
الشرق الأوسط والاحتمالات
فلسطين ومعيار الشرعية الإقليمية
ذلك اليوم! تسألني عن ذلك اليوم؟!