خطر الدويلات الطفيلية على الدولة الوطنية!
سؤال عالماشي- موفق مطر

الدولة.. أنضج وألمع فكرة انتجها عقل الإنسان لتنظيم العلاقة بين أفراد مجتمع واحد، وبين الحاكم والمحكوم بمساواة وعدالة، تحت سقف دستور وقوانين متطورة باستمرار، الدولة مزيج لا ينفصل ما بين روح الثقافة الانسانية المرتبطة بمبدأي الحرية والتحرر، قبل كونها نتيجة حتمية للاستقلال، وضرورة لإثبات الوجود على خريطة العالم الجيوسياسية، ترتفع اركانها على عقول رائدة، وجموع – لا يهم عددها – فالأهم أنها منسجمة متناغمة، يسود السلام عقيدة وسلوك وفعل انسانها (المواطن) المتطهر اصلا وحقا من موروث التعصب الفئوي ايا كان نوعه أو تسميته، والناشئ على نهج ثقافة الدولة بالتوازي مع مناهج العلم والمعرفة، وفكرة الدولة ومعانيها وتطبيقاتها، الانتماء لها وحقوق انسانها وواجباته تتكون ببرامج تعليم وتوجيهات ممنهجة، تقع مسؤولية تنفيذها على جميع مكونات الشعب الذي يعيش في اطار ارض معلومة الحدود والرموز الوطنية السيادية، واختاروا نظامهم السياسي بإرادة حرة، وارتضوا القانون حكما عادلا لينظم علاقاتهم الفردية والاجتماعية، وعلاقات مؤسساتهم التي تمثلهم في رأس هرم الدولة، لتحقيق اهدافهم وآمال اجيالهم القادمة .. عبر مراكمة التجارب الناجحة، والبناء عليها للسير في موكب النمو والتطور باعتبارهما سكة قطار أي شعب في العالم لبلوغ الأمن والسلام والرفاهية والسعادة، تحت مظلة قيم، عمادها ليس احترام حقوق الآخر وحريته في الاختيار وحسب، بل واعتبارها مقدسة، لا يجوز المساس بها ما دامت منسجمة مع جوهر الانتماء المطلق للدولة ( الشعب والأرض والقانون ) ولاء لا يحتمل النسبة العشرية أو المئوية، فإما أن يكون كاملا متكاملا، أو فلا! وهنا يبرز سؤال مشروع حول التوفيق ما بين الانتماء للدولة، والعمل الوطني في اطارات (احزاب) تتبنى نظريات سياسية أو اجتماعية، او اقتصادية، وجوهر العلاقة غير القابلة للتأويلات والتفسيرات المتضاربة بين مبادئها وأهدافها مع نصوص دستور الدولة وقوانينها المقررة والصادرة باسم الشعب... ونعتقد أن الجواب ابسط بكثير من محاولات التعقيد التي قد يلجأ اليها البعض لتبرير الانفلات والخروج على العقد الأخلاقي والقانوني مع الدولة، فمبادئ وأهداف، أو الجمعيات وما شابهها من تشكيلات يقرها الدستور، يجب أن تكون مطابقة لجوهر نصوصه، ما يعني اعلاء مبدأ الانتماء للوطن باعتباره نهجا مقدسا أولا، وللدولة باعتبار الشراكة في تعزيز قوة بنائها، ورفعها لتتبوأ المكانة التي تستحق، ونحن هنا عن الدولة الوطنية .. وخلاف ذلك يعني افساح المجال لنشوء " دويلات طفيلية " تظهر تحت مسميات ومبررات وضرورات مبتدعة، لتؤثر تدريجيا على خلايا المركز العصبي للدولة، فتدمرها من الداخل، ما يضعف مناعتها تجاه الهجمات الخارجية، خاصة إذا كانت الدولة الوطنية هذه محط اطماع من دول اخرى، أو مازالت في تثبيت قواعد استقلالها !..فالدويلات الطفيلية هذه لا تهبط بالمظلات على ارض الدولة الوطنية، وإنما تستنبت، ومنها ما يكون بذرة تطمر في تربتها، أو فسيلة سامة تغرس في بيئة اجتماعية استُغِلَت ظروف معيشتها وواقعها، وكذلك المفاهيم الخاطئة السائدة حول عقائدها، فحفرت مساراتها لتصب في خدمة اجندات دول خارجية قوية، على غير هدى من هذه البيئة، أو عن قصد وسابق تصميم وترصد ممن اغتالوا قانون الدولة، وأخضعوا البيئة الاجتماعية إما بقوة الارهاب والرعب، أو تلبية رغبات غرائزية وأخرى طوباوية، تطغى على رؤى العقول والأعمال الصالحة النبيلة ... فالدولة الوطنية تستقوي أولا بإنسانها ( المواطن ) المؤمن بالانتماء والولاء لوطنه ودولته، فهو الأقدر على حماية سيادتها وقرارها المستقل، فقد رأينا دولا انهارت رغم امتلاكها أسلحة قوية، فالدويلات الطفيلية العاملة لحساب دول وقوى خارجية، وصفة سحرية – مجربة – فاعلة، لا مثيل لها لتدمير الدولة الوطنية حتى بدون سلاح.