خلافا للقاعدة ..لماذا فقد الذهب بريقه خلال الحرب؟
الخبير المالي والمصرفي محمد سلامة لـ"الحياة الجديدة": الأسواق أصبحت توازن بين المخاطر الجيوسياسية والعوامل النقدية

*استعادة الدولار لقوته واستمرار أسعار الفائدة الأميركية المرتفعة والطفرة الكبيرة في الاستثمار بقطاع الذكاء الاصطناعي جذبت سيولة ضخمة إلى أسواق الأسهم
*البنوك المركزية في عدد من الدول أصبحت بحاجة إلى السيولة النقدية أكثر من حاجتها إلى زيادة احتياطيات الذهب
*المعدن الأصفر ما زال يحتفظ بمكانته كأداة للتحوط على المدى الطويل لكنه لم يعد يستجيب للحروب بالسرعة ذاتها كما السابق
*ترجيحات بأن يبقى الذهب تحت الضغط خلال الأشهر المقبلة وسعر الأونصة سيتراوح بين 3500 و3800 دولار قبل أن يعاود الارتفاع تدريجيا
*الولايات المتحدة تتربع عرش الدول الأكثر حيازة للذهب عالميا والسعودية تتصدر عربياً
نابلس-الحياة الاقتصادية-ميساء بشارات- لطالما اعتبرت القاعدة الذهبية في عالم المال أن "الذهب يلمع وسط النيران" فمع كل قرع لطبول الحرب، يهرع المستثمرون للاحتماء بالمعدن الأصفر، مما يدفع أسعاره لمستويات قياسية. لكن في الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وايران، حدث ما لم يكن في الحسبان: فبدلا من أن يقفز المعدن الأصفر إلى مستويات قياسية جديدة، تراجع سعره تدريجيا، مخالفا الكثير من التوقعات.
هذا التراجع أثار موجة واسعة من التساؤلات في الأسواق وبين المواطنين، خاصة أولئك الذين اعتادوا سماع أن الذهب هو الاستثمار الأكثر أمانا وقت الأزمات. فكيف ينخفض سعره بينما المنطقة تعيش واحدة من أكثر الفترات توترا منذ سنوات؟ وهل فقد الذهب مكانته كملاذ آمن، أم أن هناك عوامل اقتصادية أصبحت أقوى تأثيرا من الحروب نفسها؟
في جولة على عدد من محال الذهب والأسواق، بدت علامات الاستغراب واضحة على وجوه المتابعين، إذ قال أحد المواطنين: "طول عمرنا نسمع أنه إذا قامت حرب يرتفع الذهب، لكن هذه المرة حدث العكس، وهذا ما جعلنا نتساءل: ماذا تغير؟
وقال مواطن آخر: "كنت أتوقع أن أؤجل شراء الذهب لأن الأسعار ستواصل الارتفاع، لكنني فوجئت بأنها بدأت تتراجع رغم استمرار التوترات".
المواطن عدي سلامة يقول: "هل أصبح الدولار أقوى من الذهب؟ أم أن المستثمرين لم يعودوا يعتبرون الذهب الملاذ الآمن كما كان في السابق؟
هذه الأسئلة التي تتردد في الأسواق لم تعد تقتصر على المواطنين، بل أصبحت محور نقاش بين المحللين الاقتصاديين، الذين يرون أن تفسير ما حدث يتطلب النظر إلى عوامل اقتصادية ومالية تتجاوز تأثير الحرب وحدها، وفي مقدمتها قوة الدولار الأمريكي، وأسعار الفائدة، وتحولات السيولة العالمية، وهو ما يفسر، وفق الخبراء، لماذا لم يستجب الذهب هذه المرة للقواعد التقليدية التي طالما حكمت الأسواق.
يقول الخبير المالي والمصرفي محمد سلامة إن القاعدة الاقتصادية التقليدية التي تعتبر الذهب "الملاذ الآمن" خلال الحروب والتوترات الجيوسياسية ما زالت صحيحة من حيث المبدأ، إلا أن الظروف الحالية تختلف عن المرات السابقة، إذ دخلت عوامل اقتصادية جديدة حدت من قدرة الذهب على مواصلة الارتفاع، بل دفعت أسعاره إلى التراجع رغم التصعيد بين إيران وإسرائيل.
وأوضح أن المستثمرين يتجهون عادة إلى شراء الذهب عند تزايد المخاطر لأنه يحافظ على القيمة، في وقت قد تتراجع فيه العملات والأسهم، إلا أن المشهد الاقتصادي العالمي شهد خلال الفترة الأخيرة متغيرات مهمة، أبرزها عودة قوة الدولار الأمريكي، واستمرار أسعار الفائدة الأمريكية عند مستويات مرتفعة، إلى جانب الطفرة الكبيرة في الاستثمار بقطاع الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي جذب سيولة ضخمة إلى أسواق الأسهم الأمريكية على حساب الذهب.
وأشار سلامة إلى أن البنوك المركزية في عدد من الدول أصبحت بحاجة إلى السيولة النقدية أكثر من حاجتها إلى زيادة احتياطيات الذهب، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وازدياد الإنفاق على استيراد النفط والمواد الأساسية، لافتا إلى أن بعض البنوك المركزية لجأت بالفعل إلى بيع جزء من احتياطياتها الذهبية لتوفير السيولة اللازمة لتغطية احتياجاتها الاقتصادية.
وأضاف أن الذهب كان قد سجل ارتفاعات كبيرة منذ عام 2022، مدفوعا بتوقعات تراجع الدولار الأمريكي وانخفاض أسعار الفائدة، إضافة إلى اتجاه العديد من الدول، وعلى رأسها الصين، إلى تنويع احتياطياتها وتقليل اعتمادها على الدولار بعد العقوبات الغربية على روسيا، إلا أن هذه المعطيات تغيرت تدريجيا، الأمر الذي قلص الزخم الذي كان يدعم صعود المعدن الأصفر.
وبين سلامة أن الدولار عاد ليصبح أكثر جاذبية بالنسبة لشريحة واسعة من المستثمرين، ليس لأنه أكثر أمانا من الذهب، وإنما لأنه يوفر عائدا من خلال أسعار الفائدة والودائع، بينما لا يحقق الذهب أي دخل لحامله، ويعتمد فقط على ارتفاع سعره لتحقيق الأرباح.
ولفت إلى أن استمرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة، مع تراجع احتمالات خفضها، شكل أحد أهم العوامل الضاغطة على الذهب، لأن ارتفاع العائد على الدولار يدفع المستثمرين إلى تفضيله على المعدن النفيس.
ورأى سلامة أن تراجع احتمالات اتساع الصراعات الإقليمية والعالمية ساهم أيضا في تخفيف الطلب على الذهب، موضحا أن الأسواق باتت تنظر إلى أن مخاطر اندلاع حرب عالمية أو توسع النزاعات في ملفات مثل إيران وتايوان وأوكرانيا أصبحت أقل مما كانت عليه قبل أشهر، وهو ما انعكس مباشرة على حركة المعدن الأصفر.
وأكد أن الذهب ما زال يحتفظ بمكانته كأداة للتحوط على المدى الطويل، لكنه لم يعد يستجيب للحروب بالسرعة ذاتها التي كان يستجيب بها في السابق، لأن الأسواق أصبحت توازن بين المخاطر الجيوسياسية والعوامل النقدية، وعلى رأسها قوة الدولار وأسعار الفائدة والسيولة العالمية.
وتوقع سلامة أن يبقى الذهب تحت الضغط خلال الأشهر المقبلة إذا استمرت السياسة النقدية الأمريكية الحالية، مرجحا أن تتراوح أسعاره بين مستويات 3500 و3800 دولار للأونصة قبل أن يعاود الارتفاع تدريجيا، مشيرا إلى أن أي صعود جديد سيكون مرتبطا بحدوث تغيرات جوهرية، مثل خفض أسعار الفائدة الأمريكية أو تراجع قوة الدولار أو تصاعد التوترات الجيوسياسية بصورة أكبر.
وختم بالقول إن العامل الأكثر تأثيرا في أسعار الذهب حاليا لا يتمثل في الحروب وحدها، بل في التفاعل بين المخاطر الجيوسياسية والسياسة النقدية الأمريكية، موضحا أن الأسواق لم تعد تتعامل مع الصراعات العسكرية بمعزل عن قوة الدولار واتجاه أسعار الفائدة، بل توازن بين جميع هذه العوامل عند تحديد وجهة استثماراتها.
وبينما كانت الحروب تاريخيا كفيلة بإشعال أسعار الذهب، أثبتت الأزمة الأخيرة أن الأسواق المالية أصبحت أكثر تعقيدا من أي وقت مضى. فالذهب لم يفقد مكانته كملاذ آمن، لكنه لم يعد اللاعب الوحيد في معادلة الخوف، بعدما فرض الدولار الأمريكي وأسعار الفائدة والسياسات النقدية حضورها بقوة، لتصبح هي العامل الحاسم في تحديد اتجاه المعدن الأصفر، حتى في ذروة التوترات الجيوسياسية.
ووفقاً لتقديرات مجلس الذهب العالمي عن الربع الثاني 2025، تتصدر الولايات المتحدة قائمة أكبر الدول حيازة للذهب عالمياً بـ8133.5 طن تقدر قيمتها بنحو 628 مليار دولار، وتمثل 72.4% من إجمالي احتياطياتها النقدية، بينما تحتل ألمانيا المرتبة الثانية باحتياطات وصلت إلى 3351طنا، ثم ايطاليا بـ2451 طنا، ثم فرنسا بـ 2437 طنا، وفي المرتبة الخامسة روسيا باحتياطات بلغت نحو 2329 طنا، اما في المرتبة السادسة فجاءت الصين باحتياطات تقدر بنحو 2298 طنا.
أما عربياً، تُعد المملكة العربية السعودية أكبر مالك عربي للذهب باحتياطيات تبلغ 323.07 طنًا حتى آذار 2026، ما يمثل نحو 8.8% من إجمالي احتياطياتها الأجنبية. وتضع هذه الكمية المملكة ضمن أكبر 20 دولة مالكة للذهب في العالم. بينما حلّ لبنان في المرتبة الثانية عربيًا باحتياطيات بلغت 286.83 طنًا حتى آذار 2025 رغم الأزمة الاقتصادية الممتدة التي تشهدها البلاد منذ سنوات.
مواضيع ذات صلة
خلافا للقاعدة ..لماذا فقد الذهب بريقه خلال الحرب؟
الذهب يرتفع عالميا مع تراجع الدولار
"الإحصاء": ارتفاع مؤشر أسعار تكاليف البناء في الضفة خلال شهر أيار
أسعار الذهب والنفط تواصل التراجع عالميا
ارتفاع النفط واستقرار الذهب وسط ترقب نتائج المحادثات الأميركية الإيرانية
تراجع أسعار النفط إلى 79.04 دولارا للبرميل وارتفاع الذهب