العودة إلى إيفتو.. الكتابة بوصفها استعادة لما يتفلت
مهيب البرغوثي

"أنا امرأة أتذكر وأكتب" ليست جملة افتتاحية عابرة في كتاب آني إرنو، بل إعلان وجود وبيان كتابة. في العودة إلى إيفتو لا تعود الكاتبة الفرنسية إلى قرية في شمال فرنسا فحسب، بل تعود إلى ما قبل اللغة، إلى البقعة الأولى التي تشكلت فيها نظرتها إلى العالم، وإلى الداخل الذي تعمل في عتمته كيمياء الإبداع، كما تسميه.
بعد غياب طويل، وبعد نوبل، تعود إرنو لتلقي محاضرة عن علاقتها بالفضاء الإبداعي الذي صاغ هويتها. لكنها، في الحقيقة، تلقي محاضرة على ذاتها: ذات الطفلة، وذات الكاتبة، وذات المرأة التي تعلمت كيف تحول الذاكرة إلى مادة كتابة، لا للحنين، بل للفهم والمساءلة.
هذا الكتاب، الذي لا يتجاوز 77 صفحة، ليس رواية ولا سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، بل نص هجين يقع في المنطقة الرمادية بين السرد والتأمل، بين الذاكرة والتحليل الاجتماعي، بين الخاص والعام. نص مكثف، متقشف، لكنه مشحون بطاقة عاطفية وفكرية عالية
عنوانه البسيط العودة إلى إيفتو يحمل وقعا سحريا: عودة دائمة إلى الذاكرة، إلى أرض الطفولة، إلى الأمكنة التي تبقى نابضة بالحياة حتى لو تغيرت أو اندثرت. فالمدينة هنا ليست جغرافيا فقط، بل كائن حي، ذاكرة طبقية، وأرشيف صامت للتحولات الاجتماعية والثقافية.
تكتب: إرنو عن عودتها محاولة الإمساك بتلك العلاقة المنفلتة
بين الكتابة والطفولة،
بين الكتابة والمدينة وتحولاتها،
بين الكتابة ومكر اللغة نفسها
وتكتب:
"صحيح أنني كنت أعود إلى إيفتو كابنة وحيدة في عائلة عاشت هناك. كنت أعود إليها أيضا بصفتي ابنة حارسة لقبو والدي وأعمامي، وعدت إليها مرة بصفتي تلميذة في سنوات الدراسة الأولى من أجل أن ألتقي بزميلاتي. لكنني لم أعد إليها إطلاقا بصفتي كاتبة لها مؤلفاتها. إن إيفتو هي المدينة الوحيدة في العالم التي لا أستطيع الذهاب إليها. لماذا؟ ببساطة لأنها موطني، موطن ذاكرتي الأصلي، موطن سنوات الطفولة والتكوين، ولأن هذه الذاكرة مرتبطة بما أكتبه ارتباطا جوهريا"
هي لا تبحث عن استعادة الماضي بوصفه زمنا جميلا ضائعا، بل عن إنقاذ شيء ما من براثن الزمن، من ذلك المصير الذي سنختفي فيه إلى الأبد. الكتابة هنا فعل مقاومة ضد المحو، وضد النسيان الطبقي تحديدا، وهو ما شكل جوهر مشروع إرنو الأدبي منذ بداياته.
في هذا النص تكشف الكاتبة، للمرة الأولى، عن رسائل تبادلتها مع صديقتها على مقاعد الدراسة عام 1963. رسائل تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تتحول إلى وثائق حية عن تشكل الوعي، وعن الفوارق الاجتماعية، وعن تلك اللحظة الدقيقة التي يبدأ فيها الفرد بإدراك موقعه في العالم. الرسائل ليست مادة حنين، بل مادة تفكيك: تفكيك للذات القديمة، وللغة التي كانت تحاول أن تقول أكثر مما تعرف.
ما يميز العودة إلى إيفتو هو صدقه القاسي. لا تجمل إرنو الذاكرة، ولا تضفي عليها رومانسية زائفة، بل تنظر إليها ببرود الباحث، وبحساسية الكاتبة التي تعرف أن الكتابة ليست عزاء، بل مخاطرة دائمة
الترجمة العربية، التي أنجزها مبارك مرابط، جاءت دقيقة ومخلصة لاقتصاد لغة إرنو ونبرتها الجافة المشحونة، وصدرت عن دار الجمل (العراق)، لتضيف إلى المكتبة العربية نصا قصيرا في حجمه، عميقا في أثره.
العودة إلى إيفتو ليس كتابا عن قرية، بل عن كيف نصبح ما نحن عليه، وكيف تعود الكتابة، في لحظة ما، إلى نبعها الأول لتسأل: ماذا تبقى؟ وما الذي يمكن إنقاذه بالكلمات؟
مواضيع ذات صلة
العودة إلى إيفتو.. الكتابة بوصفها استعادة لما يتفلت
فتى طولكرم.. إلى الشاعر الفلسطيني الراحل عبد الناصر صالح
الغموض الذي يكتنف الواقع الفلسطيني.. قراءة في رواية زياد خداش "ضباب فوق جبل النجمة"
قراءة سيميائية في ديوان "لست أنا من أكتب لكم" للشاعر يزيد جبر شعث
ليس حزنا تماما
لغة الحياة اليومية ورزنامة الجثث.. قراءة في ديوان "طلقة في الاسم" للشاعر الفلسطيني مهيب البرغوثي
صدور الجزء الثالث من كتاب "سنوات من العطاء" عن نادي حيفا الثقافي