عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 21 شباط 2026

الغموض الذي يكتنف الواقع الفلسطيني.. قراءة في رواية زياد خداش "ضباب فوق جبل النجمة"

سمير اليوسف*

الضباب هو كناية على انعدام الرؤية والغموض. كل شيء محاط بالغموض في هذه الرواية: شخصية صاحب القصة همام وشخصية حبيبته ناي وصديقيه، توفيق ويوسف، والزمان- الروائي منه والتاريخي- والمكان، مدينة القدس.. إلخ. حتى لتحسب أن قراءة الرواية هي بمثابة دعوة للسير من غير بوصلة!

لنبدأ من الصفحة 128، الصفحة الأخيرة من الرواية، ونسأل: من هو الراوي في هذه الرواية؟ صاحب القصة نفسها، همام، أم كاتب قصة قصيرة شاب يدعى زياد؟

خلال ثلثي الرواية الأولين يبدو وأن همام هو الراوي. ولكن في الصفحة 78 يظهر الكاتب الشاب زياد ليخبرنا أنه في عام 1995 إلتقى بالعم همام الذي فوضه أمر كتابة قصته. فجأة يتبين أن هماما، الذي بدا لنا وكأنه يتوجه الى القارئ مباشرة، إنما يخاطب زيادا، يخبره القصة لكي يكتبها

 ولئن تمكنا في النهاية التخلص من الغموض المحيط بسؤال الراوي يبقى الغموض الذي يكتنف شخصية صاحب القصة همام وقصة حبه لناي. همام يبدو شخصية تراجيكوميدية، مثيرة للأسى والضحك معا. على أنفه علامة وحمة تشبه حبة الطماطم على أنف بهلوان. هذه العلامة أيضا تكون السبب في مصيره المأساوي

وهناك شخصية "ناي" التي تختفي في لندن، "مدينة الضباب"، على ما كانت تسمى، على الأقل في العهد الذي سافرت فيه ناي إلى العاصمة البريطانية. وإلى مدينة الضباب أيضا سيتوجه توفيق، صديق همام وغريمه العاطفي المزعوم، بما سيعزز شكوك همام بأن ذهاب ناي إلى لندن كان بتدبير مسبق ما بينها وبين توفيق.

توفيق نفسه شخصية محاطة بالضباب. للوهلة الأولى، سنظن أن توفيقا شخصية قصصية متخيلة: فلسطيني مسيحي وشاعر ديني النزعة. ولكن فجأة، في الصفحة 26 من الرواية يظهر الأديب الراحل جبرا ابراهيم باسمه الكامل وسندرك أن توفيقا هو أيضا شخصية حقيقية أسوة بالكثير من الشخصيات الحقيقية التي تظهر في الرواية. إنه الشاعر الفلسطيني، السوري الأصل، توفيق صايغ.

بيد أن الشخصية الأشد غموضا وإثارة للحيرة من كل الشخصيات الأخرى، هي شخصية يوسف، اليهودي الفلسطيني، الذي يؤثر الإنحياز إلى هويته الوطنية الفلسطينية على الإستجابة للهوية السياسية اليهودية والتي يرفع المشروع الصهيوني في فلسطين رايتها. وقد تشجعنا هذه الشخصية في البداية على قراءة الرواية كتعبير عن حنين إلى زمن عاش فيه المسلم (همام) والمسيحي (توفيق) واليهودي (يوسف) في سلام ووئام. ولكن المؤلف أشد وعيا لتاريخ الاتهامات والشكوك المتبادلة، فضلا على العنف، لكي يقع في شرك تصوير متفائل ساذج كهذا. ويوسف الذي يبدو واضحا في البداية سرعان ما ستحوطه الشكوك والإتهامات فيبدو وكأنه يضمر خلافا لما يظهر.

بعد وقت قصير على لقاء زياد بهمام يموت الأخير ويستريح جثمانه في قبر على جبل النجمة. يتنبه زياد إلى أن القبر غارقا في ضباب الجبل. الضباب يكتنف حياة همام وموته ولا غرابة في ذلك طالما أن الضباب يكتنف جغرافيا وتاريخ القدس وسائر البلاد.

الغامض، شأن المثير للحيرة والشك، من سمات الأدب الحديث، ورواية "ضباب فوق جبل النجمة" نص حداثي بامتياز. ولكن من زواية قراءة الأدب الفلسطيني المعهودة هذا نص جريء في اختياره الجمالي. باستثناء رواية "المتشائل" لم يحدث أن قرأت نصا قصصيا فلسطينيا يتعامل مع الغامض والمثير للحيرة بهذا القدر من الإنفتاح والرحابة. الإنطلاق من حقيقة أن الضباب، الغامض، يكتنف كل شيء يعارض الخطاب السياسي الشائع، خطاب الوضوح واليقين، وإن على مستوى البلاغة فحسب. هناك بيان جمالي-سياسي في هذه الرواية: بعد كارثة الحرب في غزة، أفظع كارثة حلت بالشعب الفلسطيني منذ نكبة 1948، إنه لمن الخيانة الفكرية أن نكتب أدبا انطلاقا من التسليم بعصمة "خطاب الوضوح واليقين".

---------------

* شاعر وناقد فلسطيني يعيش في لندن