عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 14 شباط 2026

ليس حزنا تماما

مهيب البرغوثي

أغادر القاهرة وأنا أحمل في حقيبتي أكثر مما تسمح به المطارات: وجوها تعلقت بالذاكرة سريعا، وضحكات عابرة تركت أثرا دائما، وشعورا غريبا بأن بعض المدن تعرف كيف تستقبلك كأنك واحد من أهلها منذ زمن.

القاهرة لا تودع بسهولة؛ فهي لا تمنحك نفسها دفعة واحدة، بل تتركك معلقا بين الضجيج والسكينة، بين حجر صامت يحكي ألف حكاية، وبشر يمشون وهم يفاوضون الحياة كل يوم.

وأنا أرحل، لا أعرف إن كان هذا الثقل في صدري حزنا أم حنينا، أم مزيجا مربكا منهما. أشتاق إلى فلسطين، لا كفكرة كبيرة ترفع في الخطب، بل كتفاصيل صغيرة لا يراها إلا من عاشها: كنافذة تفتح مع الصباح، كطريق أعرف انحناءاته حتى في الظلام، كأسماء شوارع لم تتغير في قلبي رغم تغير كل شيء حولها.

فلسطين ليست أسطورة، هي حياة يومية مؤجلة، تعب طويل، وصبر لا يكافأ. أرض تعلمت كيف تبقى واقفة رغم أن الجميع جربوا أن يكسروها. نحبها لأنها تشبهنا: مرهقة، عنيدة، وتصر على أن تتنفس حتى في أضيق الزوايا.

أغادر وأنا أعرف أن الرحيل ليس دائما ابتعادا عن مكان، بل اقتراب مؤلم من حقيقة نسكنها. وأن المدن، مثل البشر، لا نحبها لكمالها، بل لما تتركه فينا من فراغ حين نغادرها.

التقيت أصدقاء وأحبة، قرأت، وزرت معرض الكتاب، وأينما ذهبت كان ذلك الطيف من الدمع، الذي لا أعرف سره، معلقا في عيني؛ لا يذهب ولا يسقط.

كأن القلب كان يعرف شيئا يرفض العقل الاعتراف به، وكأن الفرح نفسه كان يأتي مشوبا بخوف خفي من اكتماله!!

ضحكت كثيرا، نعم، لكن الضحك كان يترك خلفه صمتا قصيرا، صمتا يشبه الوقوف على عتبة باب لا نقرر الدخول منه أو الإغلاق خلفنا. كل لحظة جميلة كانت تحمل سؤالا صغيرا: لماذا أشعر بأنني أعدها قبل أن تنتهي؟

ربما لأننا حين نحب الأماكن أكثر مما ينبغي، نبدأ بتوديعها ونحن ما زلنا فيها. وربما لأن القلب، حين اعتاد الرحيل، يتعلم أن يبقي دمعة جاهزة، لا لتبكي، بل لتتذكر فقط أنه حي.

كنت أعيش التفاصيل كما لو أنها ستتحول بعد قليل إلى ذاكرة: مقهى عابر، حديث طويل بلا موضوع، كتاب اشتريته لا لأقرأه فورا، بل لأحمله معي كدليل أنني كنت هنا يوما، وأن هذا المكان مر من قلبي، لا من قدمي فقط.