عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 21 شباط 2026

قراءة سيميائية في ديوان "لست أنا من أكتب لكم" للشاعر يزيد جبر شعث

ماهر محمود داود

ينتمي هذا الديوان إلى نصوص ما بعد الصدمة، حيث تتحول الكتابة من فعل جمالي إلى أثر وجودي، ومن خطاب تعبير إلى شهادة لغوية على انكسار الذات والعالم معا.

 

أولا: العنوان بوصفه عتبة سيميائية كبرى

يشكل عنوان الديوان علامة افتتاحية ذات كثافة دلالية عالية، تقوم على نفي الفاعلية، وتفكيك مفهوم الذات الكاتبة. فالنفي هنا لا يفهم بوصفه تبرؤا من الكتابة، بل بوصفه إعلان اغتراب الذات عن ذاتها.

الأنا في العنوان:

- ليست مركزا للخطاب

- ولا مصدرا للمعنى

- بل أثر متبق بعد العنف

وبذلك يعلن النص منذ عتبته الأولى أن الكتابة ليست نتاج إرادة جمالية حرة، بل نتيجة اختراق عنيف للجسد والروح واللغة، فالقصيدة تكتب لأن شيئا ما عبر الشاعر، لا لأن الشاعر قرر الكتابة.

 

ثانيا: الإهداء والمفتتح.. تثبيت الأفق الدلالي

يؤسس الإهداء (إلى الذين أنهكت الحرب أرواحهم) لنسق جماعي يخرج النص من فردانيته. فالقارئ لا يدخل إلى تجربة ذاتية معزولة، بل إلى فضاء معاناة جمعية، تصبح فيه الذات الشاعرة علامة تمثيلية لا استثنائية.

أما المفتتح:

البلاد مثلي تحب وتعشق.. البلاد مثلي لا تغفر الخيانة

فهو يؤسس لعملية تشاكل سيميائي بين الذات والمكان، حيث يتم تبادل الصفات بين الإنسان والوطن. وتغدو البلاد كائنا أخلاقيا حيا، فيما تتحول الذات إلى امتداد جغرافي. هذا التشاكل يجعل الخيانة فعلا مزدوجا: خيانة الذات وخيانة الوطن في آن.

 

ثالثا: سيمياء المكان.. من الجغرافيا إلى التيه

المكان في هذا الديوان لا يؤدي وظيفة الاستقرار، بل يتحول إلى علامة فقد. فالطريق، والخيمة، والبحر، والبيت، والمقبرة، والمقهى، كلها أماكن تجرد من دلالتها المألوفة، وتعاد شحنتها بوصفها فضاءات مؤقتة، هشة، وعدائية.

تتشكل هنا ثنائيات دلالية متوترة:

- البيت / القبر

- الخيمة / الجنازة

- الطريق / الهاوية

وبذلك يتحول المكان من حاضن للذاكرة إلى منتج للقلق، ومن جغرافيا للانتماء إلى مسرح للنجاة المؤجلة. وهذا ما يجعل الديوان نصا عن اللامكان الفلسطيني في زمن الحرب.

 

رابعا: الحزن بوصفه علامة مركزية

الحزن في هذا الديوان لا يقدم بوصفه انفعالا عابرا، بل بوصفه بنية دلالية شاملة، يتكرر الحزن في صور متعددة:

- كائن

- طاحونة

- وحش

- طقس يومي

- لغة بديلة

هذا التكرار لا يهدف إلى الإكثار البلاغي، بل إلى تشييد مركز دلالي تتحرك حوله بقية العلامات، فالحزن هنا:

- ليس نتيجة الحرب فقط

- بل نتاج تراكمي لفقد المعنى

وبذلك يصبح الحزن دليلا على الحياة، كما تصبح الحرب دليلا على الموت، في انقلاب سيميائي يعكس اختلال المنظومة القيمية في واقع الإبادة.

 

خامسا: سيمياء الموت.. من النهاية إلى الاعتياد

يفقد الموت في هذا الديوان طابعه الفاجع، ويتحول إلى حالة يومية مألوفة. يظهر الموت:

- بوصفه جنازة ذاتية

- ذكرى متكررة

- انتظارا دائما

- وأحيانا بوصفه خلاصا محتملا

هذا التحول الدلالي يفرغ الموت من معناه النهائي، ويحوله إلى علامة اعتياد، ما يشير إلى درجة قصوى من التطبيع القسري مع العنف. إن أخطر ما ينجزه النص هو كشفه عن لحظة يصبح فيها الموت أقل فظاعة من الاستمرار في الحياة تحت القصف.

 

سادسا: اللغة والصمت.. انهيار المجاز

يعلن الديوان في أكثر من موضع فشل اللغة وعجز المجاز عن تمثيل الفاجعة:

- الصمت يتقدم على القول

- المعنى يستكين

- المجاز يفر

غير أن هذا العجز لا يقرأ بوصفه نقصا شعريا، بل بوصفه موقفا نقديا من البلاغة. فالشاعر يرفض تحويل الدم إلى صورة، والجثة إلى استعارة. الصمت هنا علامة احتجاج، والقصيدة نفسها تعبير عن وعي أخلاقي بحدود اللغة.

 

سابعا: الحب بوصفه علامة مقاومة هشة

وسط هذا الخراب، يظهر الحب بوصفه فعل مقاومة فرديا، لكنه مقاومة غير مكتملة. فالحب:

- يصاب بالورم

- يتحول إلى جرح

- وينتهي إلى فقد جديد

ومع ذلك، يظل الحب العلامة الوحيدة التي تحاول إنقاذ ما تبقى من إنسانية الذات، ولو عبر الألم، إنه مقاومة لا تنتصر، لكنها ترفض الاستسلام الكامل للعدم.

 

ثامنا: تفكك الذات والمرآة

يتكرر حضور المرآة، والضحك، وعدم التعرف إلى الذات، ما يشير إلى انشطار الهوية. الذات لم تعد متماسكة، بل تتوزع بين:

- من عاش

- من نجا

- من يكتب

وبذلك يتحول الجسد إلى أرشيف صدمات، وتغدو الكتابة محاولة لترميم هوية مثقوبة.

يقدم ديوان "لست أنا من أكتب لكم" نصا شعريا يقوم على:

- تفكيك الذات

- تسييل المعنى

- مقاومة البلاغة الجاهزة

- وتحويل الشعر إلى أثر وجودي لا خطاب بطولي

إنه ديوان لا يقدم إجابات، بل يوسع دائرة السؤال، ويضع القارئ أمام مسؤولية أخلاقية تجاه اللغة، والحياة، والإنسان في زمن الإبادة.