عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 14 شباط 2026

لغة الحياة اليومية ورزنامة الجثث.. قراءة في ديوان "طلقة في الاسم" للشاعر الفلسطيني مهيب البرغوثي

سمير اليوسف*

الاستعارة التي قد ترد إلى ذهن قارئ قصائد مهيب البرغوثي، في مقارنة بين ما نشره قبل بداية الحرب في غزة وخلالها، أن الشاعر أشبه بجندي متقاعد بوغت بعدوان شامل ضد بلاده فسارع إلى التطوع للقتال في صفوف المقاتلين من أبناء شعبه.

تابعت، قبل وقوع حرب، قصائد البرغوثي اليومية، أو شبه اليومية، عن رام الله وفي رام الله-  شوارع رام الله ومقاهيها ورواد مقاهيها- وبدا لي أن القصيدة عنده هي الأقل استعدادا من قصائد أي شاعر فلسطيني آخر للتخلى عن رؤيتها الذاتية لصالح الخطاب السياسي مهما كان الخطاب رصينا. إنها قصائد الهامشي والمتسكع والذي لا رغبة عنده أن يستخدم لغة تزعم تمثيل أية سلطة، أو الاستناد إلى أية سلطة، من أي نوع. فلغة القصيدة التي توسلها البرغوثي وبرع فيها، هي الهواء الذي يتنفسه الشاعر الذي يعيش لأجل الشعر وفي الشعر.

 مهيب البرغوثي أهم شاعر فلسطيني ممن ظهروا غداة إعلان الاستقلال الوطني الفلسطيني (1988)، وهم شعراء قاموا بنقلات نوعية في كتابة قصيدة فلسطينية انعتقت من البلاغة المنبرية والغنائية وآثروا لغة النبرة الخافتة التي تعبر عن الوعي الذاتي والفردي سواء تعلق الأمر بما هو شخصي أو عام. البرغوثي دفع هذا الأمر إلى حدوده القصوى.

ولكن ديوانه الجديد "طلقة في الاسم" بما يجمع من قصائد تنتمي إلى ما قبل اندلاع الحرب وإلى الحرب، يشي بأن الشاعر الفلسطيني مهما أحس بالاطمئنان فإن معادلة "الجمال والواجب" لن تنأى عن لغته ومجازاته. في القصائد السابقة للبرغوثي هناك ما يشي وكأن الشاعر كان يتوقع الانفجار الكبير والدمار الشامل في أية لحظة وحتى وهو في المقهى يتأمل الفراغ خلف دخان الأركيلة.

في قصيدة تحمل سؤال "من أين تأتي القصيدة؟" وتكون الإجابة أسئلة:

"من الدم؟

من الألم؟

أم من تلك الزاوية في ذاكرة المنزل؟"

تلك الزاوية هي المكان الذي يدل على الزمن الذي أحسسنا فيه، وإن بشكل مؤقت، بالاطمئنان، قبل أن يحصل انفجار يحطم أي إحساس زائف بالأمان. أما في قصيدة "خيال الوقت" فيبدو الشاعر وكأنه يصور الخيال ككاميرا مراقبة مثيرة للفضول ولكن حينما نصل إلى السطر الأخير ندرك بأن للخيال مهمة أخرى مثيرة للرعب:

"الخيال يصعد الجبل مع الغروب

يراقب من طرف عينه اليسرى

يرى الجميع

يعتاش على ظل الحجارة في الوادي

وينام في صدى الصوت

وفي آخر الليل نسمع صوته وكأنه قطار

قادم وفي صوته بكاء الأطفال".

"بكاء الأطفال" وليس "بكاء أطفال"، ال التعريف هنا تصنع كل الفارق. في صورة "بكاء أطفال" ما هو عائلي عام أما "بكاء الأطفال" فهم أطفالنا نحن، في خيال الوقت، الذي هو قطار الموت!

الوقت أشبه بروزنامة من الجثث في قصائد البرغوثي التي تتناول ما جرى في غزة مباشرة. حتى الأمل بنهاية الحرب فهو في خيال الوقت الفلسطيني مناسبة لإحصاء عدد القتلى.

وصدر الديوان حديثا عن "دار المتوسط".

-----------------

* شاعر وناقد لبناني يعيش في لندن