عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 16 شباط 2026

الدستور المؤقت إعادة ضبط المعنى السياسي للدولة

أنور رجب*

القرار الرئاسي بنشر المسودة الأولى للدستور المؤقت يضع النقاش ‏الوطني في مكانه القويم عند سؤال الدولة وليس إدارة الأزمة. ‏فالدستور هنا أداة ضبط للمرحلة، ومحاولة واعية لانتزاع المبادرة ‏من منطق الفوضى الذي فرضه الانقلاب على الشرعية والمؤسسات.‎

ويأتي القرار بنشر المسودة، وفتح باب تلقي الملاحظات لمدة ستين ‏يوما لتعكس إدراكا بأن الشرعية تبنى بالمشاركة المنظمة وإشراك ‏المجتمع، بمكوناته السياسية والأكاديمية والمدنية، ويعيد تعريف ‏العلاقة بين المواطن والسلطة على أساس الشراكة، ويمنح النص ‏الدستوري ثقله المعنوي قبل أن يكتسب صفته القانونية.‎

الدستور المؤقت، بطبيعته، لا يدعي الكمال، لكنه يضع خطوطا ‏فاصلة بين السلطات، ويحدد المرجعيات، ويمنع تسيب القرار ‏الوطني. وفي هذا المعنى، فهو وثيقة تحصين سياسي بقدر ما هو ‏نص قانوني، تهدف الى منع تكرار تجارب فرض الأمر الواقع ‏والانقلاب على النظام السياسي.‎

سياسيا، يحمل القرار رسالة داخلية واضحة مفادها أن الدولة ‏الفلسطينية مشروع حي، يبنى بالتراكم، لا يؤجل بانتظار لحظة مثالية ‏قد لا تأتي. كما أنه يعيد الاعتبار لفكرة النظام، في مواجهة محاولات ‏تفريغها وتحويلها الى مجرد شعار. أما على المستوى الدولي، فان ‏نشر مسودة دستور مؤقت يقدم فلسطين بوصفها كيانا سياسيا ‏مسؤولا، يعمل وفق منطق الدولة لا منطق الحركة، حيث تقاس الدول ‏بقدرتها على انتاج القانون واحترامه، ويصبح المسار الدستوري أحد ‏أهم أدوات المواجهة السياسية والدبلوماسية.‎

في المقابل، لا يمكن تجاهل اعتراضات بعض القوى، وفي مقدمتها ‏حماس، على مسار الدستور المؤقت. غير أن هذا الاعتراض، في ‏جوهره، لا يبدو متصلا بطبيعة النص أو أهدافه المرحلية بقدر ما ‏يعكس مناكفة سياسية تكرس عقلية الانقلاب ومنطق التعطيل، أكثر ‏مما تعبر عن حرص فعلي على مصلحة الشعب والقضية. فالدستور ‏المطروح مؤقت بطبيعته، ومسودة مفتوحة للنقاش العام لا وثيقة ‏نهائية مفروضة، ما يجعل رفضه المسبق رفضا لفكرة الحوار المنظم ‏ذاتها.‎

كما أن القول بأن الدستور لا يلبي طموح الفلسطينيين يتجاهل عمدا ‏كونه إطارا انتقاليا لضبط المرحلة لا عقدا نهائيا للدولة المكتملة ‏السيادة. وبهذا الخطاب، يجري لَي الحقيقة مرتين: مرة بتصوير ‏المؤقت على أنه دائم، ومرة بتصوير النقاش على أنه إملاء. والنتيجة ‏العملية لمثل هذا الطرح ليست تطوير النص، بل نسف فكرة النقاش ‏الدستوري من أساسها، وإبقاء المجال مفتوحا للفوضى بدل الاحتكام ‏إلى قواعد مشتركة.‎

الرهان الحقيقي يبقى في تحويل النقاش العام الى تعديلات حقيقية ‏تعكس المصلحة الوطنية. عندها فقط، يصبح الدستور المؤقت خطوة ‏تأسيس، لا مجرد وثيقة عابرة. الرهان الحقيقي في كيفية التعامل مع ‏الملاحظات، وفي مدى الجدية في البناء التشاركي. وهو ليس إجراء ‏فنيا، ولكن اختيارا سياسيا لتثبيت الدولة قبل اكتمال السيادة، وحماية ‏المشروع الوطني بالقانون قبل أن تحاصره الوقائع.‎

* المفوض العام لهيئة التوجيه الوطني والمعنوي والناطق الرسمي لقوى الأمن الفلسطيني