وحدة في وجه الجريمة المنظمة والعنصرية
باسم برهوم

أردت أن أكتب هذا المقال بعد تظاهرة سخنين. وتوافق الأحزاب العربية داخل الخط الأخضر. لكني قررت التريث حتى تأكدت من صمود هذا الاتفاق. وانه لم يكن نابعًا من لحظة عاطفية، او ان الجماهير املته على القادة، ثم رأينا تظاهرة تل ابيب وتأكدنا ان الفلسطينيين في الداخل لديهم خطة عمل وتحرك مدروس، وليس مجرد ردة فعل متسرعة على الجريمة المنظمة، المدعومة من اوساط في الدولة، وبالتأكيد ضد العنصرية المزمنة والمتعمقة والشاملة. وبالفعل اكتب اليوم هذا المقال ولدي انطباع بان الروح عادت لتدب في عروق الجماهير العربية الفلسطينية في الداخل، وهي روح تنعش ليس جسد المجتمع العربي في الداخل، بل ايضا في الجسد الفلسطيني المدمى والمحطم من حرب إبادة جماعية بشعة لا تزال مستمرة في قطاع غزة، ومما يصيب الضفة الفلسطينية من إرهاب مستوطنين، وارهاب دولة، وحصار مالي وسياسي للسلطة الوطنية.
في السنوات الاخيرة تعرض المجتمع العربي في الداخل لظاهرة خطيرة جدا، ظاهرة الجريمة المنظمة، التي استفحلت في السنوات الأخيرة. في ظل تواطؤ واضح من قبل الحكومة الإسرائيلية، ان لم يكن بعلمها وتخطيطها، فهذه الظاهرة تضاعفت ثلاث مرات في عهد حكومة نتنياهو، وتولي بن غفير وزارة الامن الداخلي. وفي العام 2025 وحده اظهرت الارقام، أن 252 إنسانا عربيا كانوا ضحية الجريمة المنظمة، وان نسبة الجريمة ارتفعت في المجتمع العربي 15 مرة عن المجتمع اليهودي، بينما كانت هذه النسبة معكوسة قبل عقدين، مما يطرح العديد من الأسئلة عن مدى تورط الحكومة الإسرائيلية في هذه الظاهرة؟
اتهام العرب للحكومة بالتورط ليس إدعاء، فقبل اعوام قليلة، كشفت القناة 13 العبرية، ان تحقيقا داخليا في الشرطة الإسرائيلية قد كشف ان كافة مرتكبي الجريمة في المجتمع العربي هم متعاونون مع جهاز الامن الداخلي " الشاباك "، ويتمتعون بالحصانة في حمل السلاح، وبالتالي توجهت الاحتحجاجات الجماهيرية نحو الحكومة وحملتها مسؤولية الجريمة المنظمة.
من الواضح، ان لدى قيادات واحزاب المجتمع العربي في الداخل، إصرار على مواصلة الاحتجاجات، فالمواجهة لم تعد خيارا بل ضرورة على اكثر من صعيد، اولا، لان الصبر والصمت لم يعد ممكنا، إلى جانب انه لم يحل المشكلة، بل فاقمها، وثانيا، لأن عدم المواجهة وغياب الفعل سيشجع الحكومة على مواصلة مخططها الإجرامي، كما ان اليأس والتفكك سيدب في المجتمع العربي، مما سيضاعف المشكلة. ومما لوحظ خلال الأسابيع الأخيرة ان جماهير الداخل كانت ناضجة للتحرك، بعد ان وصلت الجريمة لكل شارع وحي في المدن والقرى العربية. وشعورها ان قادم الأيام سيكون اكثر سودا. خصوصا ان خطر الترانسفير يهدد وجودهم.
والمطلع على تاريخ هذا الجزء العظيم من الشعب الفلسطيني. لن يفاجئه بهذا الزخم، اكثر من مئة الف بقليل كان عدد من بقي وصمد من الشعب الفلسطيني داخل الخط الاخضر، وهم اليوم مليونان ومئة الف نسمة. الفلسطينيون في الداخل لعبوا دورا اساسيا في الحفاظ على الهوية الفلسطينية الوطنية السياسية والثقافية. وقدموا رموزا في الادب والشعر والفنون، في السينما والمسرح، وقادة سياسيين مميزين ويتمتعون بمعرفة عميقة بجوهر الصراع، وقدموا نموذجا في الصمود والدفاع عن الأرض، وهم من وحدوا الشعب الفلسطيني في يوم الارض عام 1976، الذي تحول إلى يوم وطني فلسطيني يرمز لوحدة الشعب وتمسكه بأرضه، وقد لا يعرف الكثيرون مدى تأثير قادة المجتمع الفلسطيني ورموزه الثقافية في الوعي الوطني الفلسطيني العام، وفي مسيرة السياسة الوطنية.
وبالرغم من هذا التاريخ، والذي انعشت ذكراه روعة التحركات الاخيرة، وما صاحبها من وحدة،، لذلك قلت في مطلع المقال انها اعادت الروح والحيوية للكل الفلسطيني وليس للداخل وحسب،
بالرغم من ذلك لدي، وربما لدى كل وطني فلسطيني قلق ومخاوف، اولا. من أن تجد الحكومة الإسرائيلية، والتي تملك الادوات والخبرة، طريقة لاحباط التحرك وتفسيخه، وثانيا: ان تسرق اطراف هذا الإنجاز وتجيره لاجندات خارجية، خصوصا ان هناك دولا ومؤسسات قد نجحت في السنوات الاخيرة من التغلغل في اوساط النخب الفلسطينية بشكل عام. وفي الداخل بشكل خاص. ومع علمنا ان هذه الدول والمؤسسات كان لها دور في شق وحدة القائمة المشتركة، وتجزئة النخب خدمة لأدوار دول في الاقليم.
السلطات الإسرائيلية، التي حاولت توجيه اللوم للثقافة السائدة، في المجتمع العربي، تراهن على الانقسام دائما. ولديها في الاقليم دول تهب لمساعدتها، في شق وحدة جماهير الداخل، تماما كما تشق وحدة الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة، واينما وجد الشعب الفلسطيني. وإلى جانب محاولات شق وحدة الصف، فإن السلطات الإسرائيلية تواجه الهبة الشعبية ضد الجريمة بتصعيد الجرائم بهدف زعزعة ثقة الجماهير بانها قادرة على وقف هذه الظاهرة المدمرة للمجتمع العربي في الداخل. فمنذ مطلع هذا العام ( 2026 ) سجل 45 ضحية للاجرام البشع.
ومع ذلك، لدينا ثقة بوعي العديد من القيادات في الداخل وعمق وعيها الوطني وهي القيادات التي صمدت على مواقفها طوال السنوات الماضية، ويكفي ان نلاحظ مدى تأثير القائمة المشتركة في التوازنات الإسرائيلية الداخلية لندرك اهمية الوحدة، وهي الوحدة التي من خلالها يمكن وضع حد للجريمة المنظمة، صحيح قد يكون الطريق طويلا وصعبا، ولكن ليس هناك طريق اخرى للانتصار على هذه الظاهرة الخطيرة.