الاضطراب النفسي ما بين نظرة الاحتواء والتقبل وما بين الوصمة الاجتماعية
نوال القاضي ومحمد جوابرة*

إنها من أهم الموضوعات التي يجب أن ينتبه إليها العاملون في العلوم الإنسانية عندما يفكر أي منهم في تسليط الضوء على قضية مهمة ومنتشرة بشكل كبير، إنها الاضطرابات النفسية بأنواعها كافة، التي وصل مجموعها إلى (157) اضطرابا حسب التصنيفات العالمية، وتصل نسبة انتشار بعضها إلى (40%) عالميا، وبالتالي نحن جميعا في أمس الحاجة للتوعية حولها، وبخاصة في ظل التسارع الرهيب في الجانب المادي من الحضارة، الذي ينعكس بشكل مباشر وغير مباشر على الجانب النفسي للفرد.
فمن واقع الدارسات العلمية والتجارب الحية، لا أحد يستطيع أن يتصور مهما أوتي من قدرة على التخيل والتوقع، كيف يشعر ويتحمل الشخص الذي يعاني من الاضطراب النفسي؟ لا أحد يشعر بما يمر به، وبهذا تتضاعف معاناته ويزداد عمله وعبئه النفسي، فهو يقع بين المطرقة والسنديان، تأثير الاضطراب من ناحية وتأثير الوحدة من ناحية أخرى.
ومع ذلك كله فالاضطراب النفسي شيء مختلف للغاية فهو خبرة ذاتية جدا، شديدة الخصوصية، تجربة تختلف من إنسان إلى آخر، فهي تعتمد بشكل كبير ومرتبطة بنمط الشخصية، ودرجة الحساسية والقدرة على التحمل، بل مرتبطة بطفولة الإنسان وتنشئته، وهي خبرة مرتبطة بكيمياء الدماغ، التي تختلف درجة ونوعية المشكلة التي يصاب بها من إنسان إلى آخر، وحسب ما مر به في مراحل حياته المتعددة ودرجة الوعي وقوة التحمل والصلابة النفسية لدى ذلك الإنسان.
ولكي يتضح مدى ما يتعرض له من يمر بهذه المحنة، لا بد من وصف معاناة شخص واحد عانى من الاضطراب النفسي فترة طويلة جدا، فأفقده الرغبة في الحياة، وحرمه الشعور بالملذات، وأشعره بالغربة وهو بين أهله، وبالحرمان وهو يملك كل شيء، وعدم الأمان وهو ينام في بيته، وبالهشاشة النفسية وهو يملك بنية جسمية قوية، وبالفراغ ولديه عائلة كبيرة، وبانخفاض تقدير الذات مع أنه في عنفوان العطاء، وعدم الحب وهو في ريعان العمر ولم يجانب خريفه، وعدم الأهمية مع أن الكل يستشيره ويتجه للأخذ برأيه السديد.
وبين كل هذا وذاك، فهو لا يرى من الأمور إلا ما يتصوره عقله وتستوعبه مداركه وتسيطر عليه أفكاره ومعتقداته السلبية، التي ليس لها وجود على أرض الواقع وليس لها مكان إلا في عقله هو وحده، لكن دون وعي منه وعدم قدرته على التحمل.. إنه لا يدعي المرض، بل يعيشه حقيقة ويتأثر به ويمنعه عن عمل أي شيء يشعره بماذا تعني له الحياة.
فمنذ اثني عشر عاما قال شخص يعاني من الاكتئاب الحاد: كنت أتمنى أن أصاب بالسرطان ولا أصاب بهذا الاضطراب.
هل يمكنك، أن تتصور معنى هذه العبارة.
حاول أن تتأملها قليلا. هل يا ترى هذا معقول؟! السرطان ذلك المرض اللعين الذي يسبب آلاما فظيعة لا يخفف من حدتها- لساعات أو لدقائق- إلا المورفين العلاجي، وينتهي في بعض الحالات بالموت. هل هذا المرض أخف وطأة من اضطراب الاكتئاب، أو القلق، أو أي اضطراب آخر؟
هل يا ترى يتمنى الإنسان لنفسه السرطان، بدلا من اضطراب ثنائي القطب، أو اضطراب الفصام،...؟! هل آلام الصدمة تفوق آلام السرطان؟
لهذا كان لا بد من كتابة هذه العبارات لعلك تتعرف إلى جزء من معاناة بعض الأشخاص المصابين ببعض الاضطرابات النفسية. ولن نتناول الموضوع من ناحية أكاديمية نظرية عن الإرشاد والعلاج النفسي، بل من ناحية مشاعر.
لذلك كله كيف لنا أن نسلط الضوء على هذه الظاهرة، وكيف يمكن ان تتغير الوصمة الاجتماعية لمن يعانون اضطرابا نفسيا؟
إن من يعيشون بالقرب من إنسان مضطرب نفسيا، كالزوج مع زوجته، والزوجة مع زوجها، والأب أو الأم مع أبنائهما أو بناتهما، الأبناء مع آبائهم أو أمهاتهم، الرئيس أو الزميل أو المرؤوس في العمل.
أريد من كل هؤلاء، أن يعرفوا حقيقة أساسية: هي أن المضطربين النفسيين يحتاجون شيئا مهما للغاية ويساهم في التحسن ومنع الانتكاسة، ويساعد في إمكانية التشافي التام أو تخفيف الأعراض، وهذا لا يقل أهمية عن أو المساعدة والخدمات التي يقدمها الأخصائي أو المستشار النفسي من خلال الإرشاد النفسي والعلاج، أو حتى العقاقير التي يصفها الطبيب النفسي، إنهم يحتاجون إلى أن نشعر بهم، وأن نفهم معاناتهم، وأن نقدر آلامهم.
وباختصار، إنهم يحتاجون إلى الاحتواء، والقرب، وعكس المشاعر، والاحترام، والرفقة الحسنة، والفهم، والحب، وأحيانا بل دائما يكون ذلك أقوى فاعلية من العقاقير ومن الجلسات النفسية، التي قد لا تأتي جدواها وفاعليتها إذا لم تكن بمساندة ومتابعة الأهل لهذا الشخص الذي يعاني كل هذه المعاناة.
فالمؤلم جدا هنا أن مفهوم الإرشاد والطب النفسي لا يزال مشوشا عند الغالبية من المثقفين، ويكاد يكون معدوما عند بقية أفراد المجتمع، والمظلوم في هذه الحالة هو المضطرب أو المريض النفسي. والمنتصر هو الاضطراب أو المرض الذي يستشرى ويتفاقم وتزداد شدته لدى نسبة كبيرة من المجتمع، فلماذا لا تزال زيارة المرشد أو المستشار النفسي، أو الطبيب النفسي والأخصائي النفسي متأخرة جدا؟
من هنا لا بد من تسليط الضوء على هذا الموضع الذي إذا جاز لنا أن نطلق عليه مصطلح ظاهرة لمدى انتشار هذه النظرة وعمقها في مجتمعنا، والأرقام حول الاضطرابات النفسية تكاد تلامس كل المجتمعات بمكوناتها، فلماذا الخجل في الطرح يا ترى؟ وهل سوف نبقى نتجاهل هذه المشكلة لتزداد آثارها يوما بعد يوم؟
----------------
*طالبا الدكتوراة في الإرشاد التربوي والنفسي- جامعة القدس المفتوحة