عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 04 كانون الأول 2022

الوقتيون.. وهمٌ وأكثر!

حسن حميد

منذ أمد بعيد، وأهل الفلسفة يميزون ما بين الوقتيين، وأهل الحياة،أيّ ما بين الأصيل والدخيل، وما بين الطارئ والطبيعي، ومع ذلك لا يتفطّن هؤلاء الوقتيون، ولا الدخلاء، ولا الطارئون إلى أنّ الفارق الشاسع ما بين الحياة والتعلق بها أو عليها، كبير وعظيم، وأنّ الفارق كبير وعظيم بين من يريدون أن يكونوا أشجاراً أو ظلالاً! فالحياة متن، والتعلّق بها هامش، والأشجار متون والظلال هوامش. أقول هذا، وأنا أرى ما ينخدع به عدونا الإسرائيلي النقيض، أعني ما يتوهمون به أنه اشتقاق جديد، حين يريدون إنشاء وزارات تهتمّ بالنقب والجليل على سبيل المثال، أو وزارات تهتم بالمستوطنات (الشّابة)، أو وزارات تهتم بـ (شباب التلال) أو (شباب الهضاب)! أو وزارات تهتم (بالحصانة القومية)، وإنشاء (حرس قومي) يُعطى صلاحيات واسعة في إرهاب الفلسطينيين وإخافتهم في بيوتهم، وأمكنة عملهم وفي الشوارع حيث هي المدارس،والمحال، والمطاعم، والمقاهي، والحدائق!

أو وزارات تعنى  بـ (الأسطورة اليهودية)! من أجل الاستيلاء على ما تبقى من التراث الفلسطيني.

كلّ هذا خداع، ووهم، وتجديد قشري لقشرة أراد الإسرائيليون أن يجعلوا منها صخرةً، وهم واهمون، لأنّ القشرة قشرة، والصخرة صخرة! فتطوير النقب والجليل لا يتمّ بهدم القرى وتطهيرها، وتدمير البيوت وتشريد أهلها، كما حدث ويحدث في قرية العراقيب التي هُدمت بيوتها قرابة مئتي مرّة وأزيد، ثم أعاد أهلها بناءها من جديد! وهذا التطوير لا يتمّ عن طريق عزل القرى بالحواجز والطرق الالتفافية، وقطع التواصل فيما بينها، لأنّ هذا العمل طارئ، ووقتي يقوم به طارئون ووقتيون، لأنّ إطلاق صفة الشبابية على المستوطنات الشّابة، هو وهم وخداع وأكثر، وهي صفة تريد إعطاء  المستوطنات الجديدة شرعية قانونية وهمية، لأنها مقامة فوق الأراضي الفلسطينية وهذه الأراضي لها أصحابها الذين يقاضون المستوطنين في المحاكم!

والمناداة بوزارة (للحصانة القومية) وإنشاء (حرس قومي) كذبة وأكثر، لأنّ الإسرائيليين ما كانوا، ولو في لحظة تاريخية واحدة، قومية! هم أنفسهم لا يعترفون بأنهم قومية، شأنهم في ذلك شأن الغجر، والزط، يتكلمون لهجة يتفاهمون بها، ولكنهم ليسوا أهل قومية! أما المطالبة بوزارة لـ (التراث)، فهو أشبه بالمطالبة بأن تشرّع السرقة نهاراً وبالقوة، وهذا يعني رفع الاعتبارات التاريخية والقانونية جانباً، وتحويل المجتمع إلى غابة، ومن كان بيده السّاطور ليقطع ما يشاء من الجذوع، إنهم يطالبون بـ (وزارة التراث) وهم يعرفون المعرفة الحقّة، بأن لا حجر لهم في فلسطين مسّه قدومٌ أو سكة فلاح، وأن لا دار لهم، ولا قنطرة، ولا حديقة، ولا حاكورة، ولا ساقية ماء، ولا خلية نحل، ولا حقل زرع، ولا قطعة فخار، أو كسرة زجاج، ولا مغارة، لأنّ التاريخ يقول لهم، إنهم اشتروا مترين من التراب داخل مغارة فلسطينية كي يدفنوا ميتاً لهم! وأن لا بيدر لهم لأنهم لم يكونوا زرّاعاً في الأصل، وقد اشتروا جزءاً من بيدر أحد الفلسطينيين ليجاوروه مؤقتاً! وأنهم لم يهتموا يوماً بنهر أو بحر أو بحيرة أو غابة أو قرية أو مدينةأو جسر ليرسموه، لأن لا علاقة روحية بينهم وبين هذه المكونات الأصيلة التي تشكل المكان الوطني! وهم ما انكبوا على كتابة أو كتاب إلا من أجل تجميل مروياتهم التي اخترمها البلى، وعاثت بها الأكاذيب، ودكتها المبالغات، حتى غدت حكايات نافلة.

إنهم يزيفون كلّ شيء بسبب ما يمتلكون من قوة وسطوة ودهاء ومكر، ولكن لا ينخدع بهذا التزييف سوى الأعشى، أو الأعمى، أو من ضلّ قلبه فغدت دروبه ضريرة! إنّ هذه المواجهات اليومية ما بين الأصيل والدخيل، والوقتي والأبدي، والطارئ والطبيعي، لهي الكتاب الذي تكتبُ سطورَه الأجيالُ الفلسطينية الطالعة رغم أنف القوة والتزييف والمكر والدهاء والإخافة والعنصرية والترهيب، لأنّ هذه الأجيال الفلسطينية قرأت تاريخ المكان، والأجداد، والعمران،  والآداب والفنون، والعقائد والقيم، وعرفت أنها هي الاستمرارية لهذا التاريخ المضيء الماضي نحو الكبرياء التي لا بديل عنها!

لقد قرأوا في مدونات أهل نابلس، أنّ نابلسياً عمره 80 سنة ذهب لبائع (البدلات الجميلة)، وطلب منه أن يبيعه بدلتين،  فقال البائع: لماذا بدلتين، تكفيك واحدة لآخر عمرك. قال: أريد بدلة لي، والثانية أريدها لأبي.فقال البائع: لا بدّ أن أباك في عمر مئة سنة أو أزيد،  قال: هذا صحيح، إننا نريد أن نتقيّف، أنا وأبي، في عرس جدي! فقال البائع: لا بدّ أن عمر جدك في حوالي 135 سنة، قال: نعم هو في هذا العمر وأزيد، وهو لم يرغب بالزواج، لكن والديه ألحّا عليه كي يتزوج من أجل أن يلاعبا أطفاله الجدد! لقد قرأت الأجيال الفلسطينية الطالعة هذه المدونة وغيرها ووعت ما فيها، لأنها لا تعني شيئاً سوى أنهم، اليوم، هم من يمثلون الأصالة، والطبيعة، والتاريخ المتواصل، والعمران البهي منذ أن أقاموا أول جسر على نهر الأردن، وبنوا أول ميناء على البحر من أجل ضبط غضبتي النهر و البحر وأنسنتهما في آن!

[email protected]