عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 23 تشرين الأول 2022

أرواحنا.. تمشي إليك!

تغريدة الصباح- حسن حميد

بلى،

أنا في غيبوبة ِهذا المشهد الفلسطيني المدهش الذي كتبه، وصاغه، ونفّذه الشهيد عدي التميمي جميل الفعل والصورة، جميل الهيبة والمهابة؛ فما رأيته أسطورة عناد وطني، أسطورة بصرية مكتوبة ومصوّرة؛ أسطورة إنسانية عامة شاملة لا تخصّ الشعب الفلسطيني وحده وحسب، بل تخصّ عالم الإنسانية الذي عانى ويعاني من صلف القوة وبشاعتها حتى غدا رهينة للظلموت الذي اتسعت رقعته، وتعدّدت صور وحشيته.

عدي التميمي الفلسطيني، ابن الثانية والعشرين سنة، هو اليوم كتاب الذهول والأسئلة، وكتاب النبل والجسارة، وكتاب شباب فلسطين، كتاب المواجهة الفذة ليس في مخيم شعفاط وحده، أو في مدينتنا العزيزة القدس وحدها، وإنما في جميع مدننا وقرانا الفلسطينية، إنّه كتاب الجواب الحقيقي عن كلّ الأسئلة الفلسطينية المتراكمة منذ قرن ونصف قرن، أي منذ أن وافق الباب العالي العثماني على إنشاء أول مستوطنة إسرائيلية فوق الأراضي الفلسطينية (لأسباب واهية باهتة، وضغوط مشبوهة)، إنه الجواب الفلسطيني المختصر بكلمة واحدة هي: المواجهة.

ها هي صورة المشهد تنطق بكل التفاصيل، وتخبر الجميع عن كلّ أحلامنا وأشواقنا، وتجهر بالقول الواضح: لا حياة لنا مع هذا القهر الإسرائيلي اللحظوي، ولا حياة لنا مع هذه البنادق الإسرائيلية المشرّعة بوجوهنا في الحقول والمزارع، والشوارع، والمدارس، والمشافي، والمقاهي، والبيوت منذ سبعين سنة وأزيد، وأن لا حياة لنا مع بنادق صورتُها موت، ورصاصُها موت، وحاملُها موت، وثقافتُها موت؛ لا حياة لنا مع الموت، وقد قضينا هذا الزمن الطويل المرّ مشياً ما بين البيوت والمقابر ونحن نودّع الشهداء، وقضينا الكلام ترديداً ما بين: عاش ومات، وما بين: خوف قديم مضى، وخوف جديد قادم!

أي مشهد ذهبي هذا الذي يعيد لنا مشاهد الأساطير الكبرى أيها الابن الحبيب: عدي التميمي، أيّ عشق عشته وماشيته، وأيّ عشق عاشك وماشاك، حتى صرت صورة أحلامنا، وبهجة أرواحنا، وكيف قلّدك أطفالنا، في اللحظة والتو، في ألعابهم، وكيف لحق بك شبابنا في مخيم شعفاط، فحلقوا شعر رؤوسهم كيما يصيروا صورتك، وكيما يضللوا عماء الإسرائيليين أكثر فأكثر، وأيّ درب عزيز اشتققت، فها هو صلاح البريكي، رفيقك وأخوك وشقيق روحك ودمك وخطاك، يحلق شعر رأسه ليلة البارحة، ليلحق بك اليوم شهيداً طيّ ابتسامته ودمه، طيّ حلمه ومناداته عليك، إنّه ابن تسعة عشر عاماً فقط، يمشي إليك بروحه، وجسارته، وقناعته، وأشواقه راضياً بقدره؛ وأيّ رفاق آخرين سيلحقون بك، بعد قراءة وصيتك، وأيّ بكاء سيعمهم، وأيّ كبرياء ستشيل بهم، وقد رأوك في هذه المواجهة الفذّة، وأنت المُنار طيّ العتمة، قرب بوابة مستوطنة (معاليه أدوميم)، فلا تهاب، ولا تخاف، ولا تتراجع، أو تنحني، أكنت تنشد، وتترنّم بقصيد إبراهيم  طوقان:

يرقب السّاعة التي بعدها

هول ُساعته

شاغل فكر من يراه

بإطراق هامته..

بين جنبيه خافقٌ

يتلظّى بغايته

من رأى فحمة الدجى

أُضرمت من شرارته..

هو بالباب واقفُ

والردى منه خائفُ

فاهدئي يا عواصف

خجلاً من جراءته..

ألا، أيها الابن الحبيب، أكنت، وأنت في وقوفك وثباتك وكبريائك، تقرأ قول غسان كنفاني: عش، لتكون ندّاً! أو قولة ماجد أبو شرار: الحياة لحظة شجاعة،أو قولة معين بسيسو: قلها..ومت!

ألا، أيها الابن العزيز، قل لنا أرجوك؛ كيف حوّلت تاريخنا وأحلامنا إلى هذا السطر النوراني الذي أضاء قلوبنا وأرواحنا وحزن ليلنا الطويل من عام 1917 وحتى هذه السّاعة، كيف أشعلت البروق والرعود في مسمّانا: شهداء الأقصى، وكيف خصّبته بخطاك الشبابية، وغضبك الجسور.

ألا، أيها الابن العزيز، اعلم أنك بفعلك الكبير هذا، قد أعدت لنا شمسنا الوطنية لتشرق في الليل الطويل الذي أثثه عدونا النقيض من سبعين سنة وأزيد، لتمحوه، بنورانية الفعل الشدود، وبنشور هذا الفداء البهي!

ألا، أيها الابن العزيز، التفت إلينا، أرجوك، واستدر بقامتك العالية كلّها، كي ترى أرواحنا التي أضأتها بنبيل فعلك، وعافية همتك، وجمال خطاك، وانظر ماذا كتبت أصابعك نقشاً فوق صفحات أرواحنا من هتافٍ آبدِ الحضور: بلادي، بلادي، انظر إلينا، أرجوك، كي ترى الأنفس والمهج والقرى والمدن والدروب والأحلام.. وهي تمشي إليك!.