عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 09 تشرين الأول 2022

أهمية اجتماع قوى اليسار

نبض الحياة- عمر حلمي الغول

مما لا شك فيه، أن محاولة مجموعة من الأحزاب الشيوعية واليسارية إعادة تجميع قواها، وتشكيل إطار ناظم للتنسيق فيما بينها، كما حصل في الاجتماع، الذي جمع عشرة أحزاب وقوى شيوعية ويسارية في بيروت العاصمة اللبنانية بضيافة الحزب الشيوعي اللبناني يوم السبت الموافق 17 أيلول/ سبتمبر الماضي، واستمر لليوم التالي يعتبر خطوة إيجابية، وتسهم في تحفيز عملية استنهاض تلك القوى، التي للأسف الشديد غابت في معظمها عن الوعي بعد بريسترويكا غورباتشوف، الذي باع الاتحاد السوفييتي بمبلغ بخس للولايات المتحدة بالشراكة مع أقرانه يلتسين وشيفاردنادزة مطلع تسعينيات القرن الماضي، نجم عن ذلك انهيار فكري وتنظيمي، وتفكك المنظومة الناظمة لعمل وشراكة الأحزاب اليسارية والشيوعية في العالم عموما. وهذا الاجتماع ليس الأول، لأن المجموعة انطلقت بتنظيم صفوفها في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2010. ومع ذلك فإن الاجتماع الآن يحتل أهمية خاصة لأسباب ذاتية وموضوعية.

ولا أضيف جديدا، عندما أؤكد أن مكانة الأحزاب العربية الشيوعية واليسارية تراجعت أسوة بكل حركة اليسار العالمي إلى أدنى درجات القوى الفاعلة على المستويات الوطنية والقومية والأممية؛ لأن بوصلتها الفكرية تلاشت، وحصانتها الحزبية التنظيمية ضعفت، وتفكك بعضها، ولم يعد يجمع بينها رابط معين، سوى العلاقات الثنائية المحدودة، وكل قوة وحزب باتت تلملم شظاياها المتناثرة، والعمل على تطويق حالة الاغتراب، والبحث عن مواقعها داخل حدود البيت الوطني أو القومي أو الأممي.

وهذا انعكس مباشرة على مكانة حركة التحرر الوطني العربي، نتاج الهزيمة الزلزالية، والتحولات الدراماتيكية التي نجمت عن انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومة الدول الاشتراكية، وانعكست عالميا بصعود الولايات المتحدة الأميركية والرأسمالية العالمية لقمة عرش النظام العالمي، وتسيدت العولمة الأميركية المتوحشة مع صعود النيوليبرالية وخصائصها المالية والاقتصادية والقانونية والقيمية الجائرة عالميا. وانقلب العالم 360 درجة مع انتشار مقولات "نهاية التاريخ" و"خلود الرأسمالية" و"صراع الحضارات"، التي رافقها تفتت الهويات القومية إلى هويات قزمية إثنية ودينية وطائفية ومذهبية وجهوية.. الخ من الظواهر عميقة الصلة في الأقاليم والقارات المختلفة عموما، والعالم العربي بشكل خاص، الذي عاش، وما زال يعيش أسوأ مراحل الانحطاط والانحدار مع صعود جماعات التكفير والتخوين، والحروب الأهلية والبينية العربية العربية برعاية الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما، وارتداد الأنظمة، وتراجع مكانة القضية الفلسطينية.

وعطفا على ما تقدم، فإن اجتماع مجموعة من الأحزاب الشيوعية واليسارية، ومنها: الحزب الشيوعي اللبناني، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والحزب الشيوعي الأردني، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وحزب التقدم والاشتراكية المغربي، والحزب الشيوعي المصري، والتنظيم الشعبي الناصري وغيرها، يعكس إحساس تلك القوى بالحاجة إلى عودة التكامل، والتكافل فيما بينها لإعادة تنظيم الصفوف، وترتيب الأولويات الوطنية والقومية والأممية مع القوى المناظرة لها في أوروبا وأميركا اللاتينية وإفريقيا وآسيا والولايات المتحدة وكندا، والعمل المشترك بالنهوض على المستويات المختلفة.

ومما لا شك فيه، أن اللحظة التي انعقد فيها اجتماع هذه القوى لها عميق الصلة بما يجري من تحول في المنظومة العالمية. لا سيما وأن العالم يعيش مخاضا استراتيجيا يؤشر لتغيير خريطة العلاقات الدولية، ويسقط كل ما يتعارض مع العالم متعدد الأقطاب، ويؤكد مقولات جديدة، أكدتها التطورات خلال العقود الثلاثة الماضية، أن التاريخ لا نهاية له، ولا يقبل القسمة على طبقة بعينها، أو امبراطورية بذاتها، بغض النظر عن القرون التي تبوأت فيها مركز الصدارة؛ وأن الصراع ليس بين الحضارات، بل إن كل الحضارات البشرية يمكنها التعاون والتكامل والتآخي وبناء منظومة عالمية تقوم على تظافر الجهود لبناء عولمة مؤنسنة، وتعتمد على التسامح والتعايش. وبالتالي فإن الصراع كان وسيبقى بين قوى الشر والإرهاب الرأسمالية العالمية وبين قوى التحرر والمحبة للسلام والتعاضد الإنساني.

أضف إلى ذلك، أن النقاط التي ركز عليها البيان الختامي للقوى العشر، ومنها: النضال من أجل إقامة أنظمة حكم وطنية ديمقراطية علمانية ومواجهة العدوانية الإميريالية والصهيونية ومشاريعهما؛ النضال من أجل اقتصاد وطني منتج ومستقل، ورفض التبعية والسياسات النيوليبرالية؛ تحقيق التكامل والوحدة بين الدول العربية على المستويين السياسي والاقتصادي على أسس التكامل والديمقراطية؛ إقامة جبهة يسارية على مستوى البلدان العربية تحترم خصوصية كل حزب فيها، بهدف إعادة بناء حركة التحرر العربية؛ التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية، ودعم أهداف وثوابت الشعب الفلسطيني؛ وغيرها من القرارات ذات الصلة بإعادة تنظيم صفوف قوى حركة التحرر العربية.

طبعا غاب عن تلك الأحزاب أولا- التأكيد على هويتها الفكرية، وإن كانت تعتقد أنها من خلال استخدامها التعريف بصفتها كأحزاب شيوعية ويسارية، حدد خلفيتها. لكن الواقع الذي عاشته تلك الأحزاب بعد انهيار منظومة الدول الاشتراكية وتفكك روابطها الداخلية والتنسيقية، ودخولها حالة من التيه الفكري، غيب هويتها الحقيقية، وبقيت اسما دون مسمى. ثانيا- من يريد أن يعيد الاعتبار لحركة التحرر الوطني العربية، عليه أن يدعو كل القوى الوطنية والقومية للتكامل فيما بينها على النطاقين الوطني والقومي، لأن قوى اليسار الضعيفة والمثخنة بالجراح لا تقوى على النهوض بحركة التحرر العربية دون تلك القوى. ثالثا- تجاهلت كليا الحديث عن أخطار الإسلام السياسي وتحديدا الاخوان المسلمين ومن في مقامهم من الإسلام السياسي الشيعي، ليس هذا فحسب، لا بل إنها أغمضت العين عن انغماسها في بطانته، والتساوق معه، وأعلت بعض القوى من شأنه على حساب القوى الوطنية والقومية. رابعا- لم تشر من قريب أو بعيد لقوى الثورة العالمية، وضرورة التنسيق معها، والارتقاء بالعلاقات العربية الأممية.

مع ذلك يعتبر الاجتماع خطوة بالاتجاه الصحيح، ولكنه بحاجة ماسة لتطوير أولا- القوى ذاتها، وثانيا- تطوير جبهاتها الوطنية في بلدانها، أو تعزيز القائم منها، كمنظمة التحرير الفلسطينية؛ ثالثا- الابتعاد عن الصيغ الانتقائية والهويات الضيقة للقوى، رابعا- التشخيص العلمي لواقع كل دولة وشعب ودور الأحزاب الوطنية والقومية، وكيفية مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

[email protected]