عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 09 تشرين الأول 2022

مرقى الغزالة..

تغريدة الصباح- حسن حميد

أحسب ُأنّ الشاعر مراد السوداني ثالث ثلاثة من شعراء البلاد الفلسطينية العزيزة الذين كتبوا القصيدة التي تخطّت حدود الرسالة الإبلاغية من أجل أن تصير كينونة فنية يُعاد إليها، كل ّمرّة، من أجل اكتشاف  بناءاتها، وما عملت عليه يدُ الحذق، فهو الشاعر الثالث، بعد عبد اللطيف عقل، وحسين البرغوثي، الذي لم يرضَ بامتلاك ما امتلكه الشعراء الذين سبقوه، أعني الموهبة فحسب، ولم يرضَ بامتلاك مفاتيح القصيدة، وما يتطلبه النص من غنى، وإنما سعى، شأنه في ذلك شأن عقل والبرغوثي، إلى كتابة قصيدةٍ متطلباتها كثيرة، وشواغلها كثيرة، وأحلامها كثيرة أيضاً، ولهذا كان الشعر هو الأكثر، من القول في قصيدته، وكان الفن، ببراعاته المدهشة، هو رغبوت القصيد النايف، وكانت البلاد بحمولتها الحضارية هي المستقى وهي المرآة.
أقول هذا لأنّ مراد السوداني، افتك ّقصيده من مغناطيسية شعراء جاؤوا قبله، اجتمعت لهم الشهرة مثلما تجتمع الخضرة في الغابات، فلم يقفُ دروبهم إلا بما يقتضيه الغرض حيناً، والتراجيديا حيناً آخر، فلا آثار يحملها قصيده عائديتها تعود إلى اشتقاقات عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) أو إبراهيم طوقان، أو راشد حسين، ومحمود درويش، وسالم جبران، وتوفيق زياد، مع أنّ الصلادة هي الصلادة، والبناء الشعري هو البناء الشعري، ولكن ما اختلف هنا.. هو روح القصيد واستفاداته من مملكة البراري، وعالم الأسطورة، وميثولوجيا الحكاية الشعبية، ونداوة الشعر البارقة التي تقول لك بوضوح: هذا شعر صباحي.. وكفى.
مراد السوداني، وفي دواوينه كلّها عامة، وفي ديوانه (مرقى الغزالة) خاصة  يخادن اللغة، ويماشيها مثلما تماشي الضفاف والقرى وأجمات القصب أنهارها، ويخادن اللغة ويلاعبها حتى تصير بهّارة في اشتقاقاتها وتوليداتها، لا بل تبدو اللغة لديه وكأنّها خيوط من ضوء يرسم حبره بها ما يشاء من سطور الشعر، فقصيد مراد السوداني لغة، أو قل بهرة لغة، لكثرة محمول معجمه اللغوي وثقله، فهو يقلّب الصور والمجازات، ويطوّعها كيما تغدو لائقة بالحديث عن دروب أهل الفداء، ودموع الأمهات، وزكاوة الدماء، وطيب عبق الأنفاس الأخيرة وهي تودّع الحياة بكلّ ما فيها من أشواق، لا بل لتغدو اللغة كائنات برية مثلها مثل الطيور، والنباتات، والأشجار، والغدران، والدروب النّاحلة، والنحل الشرود، والأهم هو أنّ هذه اللغة البرية /البكر تتحدّث عن القناطر، والمعابد، والغناء، والموسيقى، والحنّاء، والظلال، والعلوات التي أعدّتها يد العمران لتكون كتاب البلاد العزيز.
ولأنّ لغة قصيد مراد السوداني، في مرقى الغزالة، عالية، وذات مداميك راسخة، فإنّه اقترب إلى حد التماهي مع معاني التصوّف التي جعلت من كلّ نافل جوهراً، ومن كلّ مزلول (زلّته يد الغشم) رأس زاوية، ومن كلّ ناء خدين رَوح، ومن كلّ موجع أليم خدّاً للافتخار، ومن كلّ عتيم منارةً راشدة، ولهذا قارب قصيده ثيمات الحال الفلسطينية بما يليق بها من بهاء اللغة ورفعتها وندرتها وسحرها من جهة، وبما يليق بها من براعات لمجاز مجنون في هبوبه ورحماته وجمره من جهة أخرى.
ولا أبالغ إن قلت، إنّ جيلاً شعرياً مشبعاً بالرواء والخضرة والضوء، بدأ يجتذب الخطا، والأنظار، والنفوس المهمومة بالفن (نقاداً، وقرّاءً، وأهل أشواق معرفية) حين تجلّت مدونات شعر عبد اللطيف عقل، وحسين البرغوثي، ومراد السوداني، هذا الثالوث الذي امتلأت خزائنه المعرفية بأسرار اللغة، والجمال، وسطور الشعر، وتخلّقات الفن، وثقل المعرفة، ونار الوعي، وبراعة الحذق، فأنت، في مرقى الغزالة، لـمراد السوداني، تحتار باللغة التي تناديك إلى ظلالها الجديدة، مثلما تحتار بالأسطورة التي تدنو من علوها لتصير جمالاً لعتبات البيوت، شأنك في هذا شأنك حين تواقف قناطر الضوء التي تعلو قبور الشهداء، وشأنك أيضاً حين ترى الدم يخالط الدمع، والحزن وهو ينادد الزغاريد، وشأنك حين تسمع هذه الروح التي تقول لك صراحةً، إنّ درب الشهداء ليس درباً للمقابر/ الموت، وإنما هو درب الحياة الجديدة، وهو شأنك كذلك حين يترقرق جمال الشعر فيوقد روحك أمام ناظريك المشمولة بعبق الهواء.
ويحتار المرء القارئ، حين يسأل، من أين لمراد السوداني، وأمثاله هذه الوقفة الهنية الرّخية في ممالك اللغة، وطيّ الفنون، كيما يستلّ الحبر عافيته المضيئة في وقت الفاجعة، وكل ّالوقت يمضي ذابلاً، ما دامت البلاد في قيدها الشنيع، وكيف لهذا الجمال الشعري أن يتخلّق بهذه الصور الداهشة، وسط الأخبار التي حمّها الهمّ والحزَن، ولا إجابة سوى أنّ مراد السوداني، وفي مرقى الغزالة، يكتب قصيداً بريا محتشداً بكل أطياف القرى التي عمّها العمران، مثلما عمّتها الأحلام.
  [email protected]