عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 18 أيلول 2022

أنا.. في معرض الكتاب!

تغريدة الصباح - حسن حميد

ها أنذا، هنا، في هذا المطرح الرّحيب الظليل بقناطره ودروبه البشرية، وألوانه السّاحرة، وحضور الناس البهيج الذي يضاهي حضور البساتين في احتشاد شجرها، وخضرتها، وألوانها، وأزهارها، وثمارها، وسواقيها، وطيورها، وموسيقاها، وأنسامها، وروائحها العابقات.

أنا هنا، في المكان الحلم، في معرض الكتاب، في مدينة المعرفة، والناس، والحوارات، والأسئلة، والدّهشة الوارفة، والسّحر الحلال؛ أنا هنا في مدينة رام الله، مدينة البراري، والصّباحات، والشّرفات التي تعبق فيها روائح القهوة الجائلة كالغيوم، وحولي أرى البيوت تمشي بأهلها بين تلال الكتب وطيّ الأغاني، أسمع شغب الأطفال، وأسئلة الكبار وحواراتهم، أمشي فلا أعرف التعب، وخطاي هميمات في دروب نهاياتها بدايات! هنا، وفي كل انعطافة انثناء حميم، وجوه باشة، ومصادفات داهشة، وعناقات تشبه عناقات الدوالي.

هنا، أرى غسان كنفاني يجول بين الناس، يرفع ذراعه عاليا فيحيي حينا، وحينا يمدّها على طولها للسّلام، ها هو بقامته المهيبة، أراه، وها هي خطواته الواثقة التي أعرفها، إنّه هو، بلى، هو.. هو، أدعك وجهي بكفيّ الاثنتين لأتأكّد من حضوره، أجل، إنّه هو بشاربيه، وعينيه، وشفتيه، وكتفيه الضيقتين، وشعره الذي يلعب به الهواء.. أما اغتالوه؟!

ها هو يصير طيّ حشد من الناس، كلّ واحد منهم يحمل كتابا أو كتابين، ها هي العناوين تبدو أمام ناظريّ راهجة: رجال في الشمس، السرير رقم 12، الرجال والبنادق، البرتقال الحزين، ما تبقّى لكم! ها هو ينحني على الكتب، على صفحاتها الأولى، إنّه، من دون ريب، يوقّعها، هذا هو توقيعه الشّارق، وهاهي ابتسامته البيضاء!

أمشي إليه لأرى وجهه بوضوح أكثر، لأرى قلمه كيف يدفع الأسطر إلى الأمام، مثلما تدفع الطّيور جسومها إلى الأمام أيضا، لكن الخلق يحولون بيني وبينه !

وهذا الذي يحيط به الناس جمهرة، من هو!

أسمع صبية مشدودة القامة، تقول: جبرا، جبرا!

يا إلهي، جبرا! أما شرّدوه، وحالوا بينه وبين عودته إلى بيت لحم، والقدس، أما قالوا، إنّه يكرّز للفدائيين من خلال روايته: البحث عن وليد مسعود، على خلاف نقّادنا الذين كلّت عيونهم عن رؤية الطّريق التي مشاها وليد مسعود! اقترب أكثر من الجمهرة التي تشبه عنقود نحل ذهبي اللون يتدلّى من دالية معروشة في مقدّمة بيت له قنطرة عالية من الغيم، وشرفة وسيعة من الموسيقى، اقترب لأرى جبرا، وأسأل الله أن أواجهه لأبثّه حزني، وأواسيه بعد أن حرق بيته، بما فيه في شارع الأميرات في بغداد، وددت أن أعبّر عن حزني على  حرق رسائل أصدقائه إليه، وحرق لوحاته، ونظاراته، وثيابه، وكرسيه، وطاولته، وورقه وأحباره، نعم كنّا نودّ أن نقيم له متحفا في بيت لحم، في بيته الذي سنصعد إليه عبر الدّرج الحجري الذي يشعّ زرقة نادرة!

 لم أصل إلى جبرا الذي تكاثر الناس حوله، لكأنّ كلّ من هم في المعرض اجتمعوا عليه؛ لم أستطع رؤيته، تمنّيت لو أنني رأيت انحناءاته على الورق، أو أنّني رأيت انحناءة الورق تحت ناظريه!

أمشي، فأرى خلقا كالطّيور يجتمع حول راشد حسين. إنّه راشد حسين بلا أدنى ريب، راشد حسين الوسيم، الهادئ. لكن أما نفوه، وحرقوا جسده في نيويورك؟!

ها هي الأصوات تؤكّد ما رأيت، إنّها تبارك لقرية (مصمص) ابنها الشاعر. تمنّيت لو سلّمت عليه وقبّلت يده، لكن ازدحام الناس دفعني بعيدا عنه، لاقترب من صاحب الصّوت السّاحر الذي يصل إليّ! هذا صوت محمود درويش بالتأكيد، لهذا الناس هنا في احتشاد عجيب. ما كان لي أن  ابتعد عنه قبل أن أرى الهواء الخفيف  يلهو بغرته البادية، لكن تدافع الناس وركضهم وأشواقهم للإحاطة به حالت بيني وبين الاقتراب منه!

أيّ مكان هذا، أيّ جمال فسيح أراه وأعيشه، أيّ بيوت هذه التي أطلقت أهلها إلى هنا؛ هنا عائلات تمشي على أشواقها، وهنا علوة من حنين، وقف فوقها أدباء من غزة، تقابلهم وتحيط بهم يافطات مرحّبة: أهلا بأدباء غزة.

 ها أنذا أرى عبد الله تايه، وشفيق التلولي، وناصر عطا الله، وناهض زقوت.. أمدّ قامتي لأرى الآخرين، أليس هذا غريب عسقلاني! أجل، إنّه هو، يا لأبوتك  أيّها العزيز؟!  لم تتركهم يأتون وحدهم، فأنت طمأنينتهم!

ومن هؤلاء الكرام؟ أتقدّم أكثر لأقرأ وجوههم ، إنّهم أدباء من معظم البلاد العربية، ومن المنافي، فأهتف فرحا وبعلو الصوت: بلادي، بلادي!

[email protected]