معذرةً جلالة الملك
تغريدة الصباح- محمّد علي طه

أستميحكم عذرًا، القارئات والقرّاء الكرام، على ما ستقرأونه في هذه المقالة، فقد قرّرت بعد تروٍّ وتفكيرٍ عميقين، وبعد أن طال أرقي، وبعد أن ضربت أخماسًا بأسداسٍ فاق ما فعله المرحوم عمرو بن العاص ليلة اختار مبايعة معاوية، على ذمّة طه حسين، عميد الأدب العربيّ، في كتابه "الفتنة الكبرى"، وباختصار فقد راجعت موقفي من السّيّد بنيامين نتنياهو، ملك إسرائيل، ولماذا لا أفعل ذلك فالعاقل هو من يغيّر مواقفه والشّاطر هو الّذي يلعبها!
اعترف بأنّني ظلمت أبا يائير كثيرًا في مقالاتي السّابقة فالرّجل سياسيّ داهية وذكيّ جدًّا وخطيبٌ مِصْقع باللّغتين العبريّة والانجليزيّة، ولا شكّ بأنّه يفوق في دهائه وأدائه السّادة أولميرت وباراك وشارون ورابين واشكول وغولدا وشمير وبيغين فهو الزّعيم الاسرائيليّ الثّاني بعد دافيد بن غوريون مؤسّس دولة إسرائيل، وقد نجح في سنوات حكمه أن يُغيّبَ كلمتيّ "سلام واحتلال" من القاموس الشّعبي وأن يدفن اتّفاق أوسلو وحلّ الدّولتين وأن يضع القضيّة الفلسطينيّة في الثّلاجة، وأن يمحو حزب العمل ابن حزب ماباي من الخريطة السّياسيّة، وأن يقرأ "كاديش" على اليسار الصّهيونيّ، كما أنّه أقنع اليهود الشّرقيّين بأنّ حزب العمل الّذي هو ابن حزب الماباي، ان صدقت الوالدة، هو سبب فقرهم وتأخرّهم ووضعهم المنحطّ في الخانة الثّانيّة بين اليهود الغربيّين وبين العرب، وأنّ اللّيكود بقيادة نتنياهو هو المنقذ لهم كما غرس في عقولهم ونفوسهم كراهيّة العرب الأشرار الّذين يسعون بالسّكاكين والمفكّات الى طردهم من أرض الميعاد الّتي أورثها الله لإبراهيم واسحاق ويعقوب وذريّتهم.
وكنت قد نعت سابقًا عدّة مرّات نتنياهو بعدم الصّدق في كلامه وهذا صحيح فالكذب ليس عيبًا بل هو الرّكن الأساس في نهجه وفي خطاباته وفي إعلامه. ألم يعترف سلفه إسحاق شمير بأنّه يكذب من أجل مصلحة الدّولة؟ وقد قال بن غوريون عن أريئيل شارون بعد أن التقاه للمرّة الأولى بأنّه لا يصدّق تسع كلمات من جملة ذات عشر كلمات يتفوّه بها شارون.
الكذب ملح الرّجل والتّحريض نهج نتنياهو فهل تذكرون عندما قال إنّ العرب يهرولون الى صناديق الاقتراع بينما كانت الأكثريّة منّا نيامًا وكسالى؟ وهل تذكرون عندما صرّح بأنّ أهل كفرمندا يتدّفقون زرافات زرافات الى صناديق الاقتراع فيما كان أهلنا في كفرمندا يتناولون الملوخيّة بالفراخ ويشربون القهوة؟ أو عندما قال إنّ شبّاننا وشاباتنا يرفعون أعلام داعش في المظاهرات والمسيرات؟!
أعرف أنّ ملك إسرائيل هو المحرّض الأوّل ولكنّ أبا يائير رجل "دمّه خفيف" ويحبّ أن يدخن السّيجار الكوبيّ الفاخر ويشرب الشمبانيا "ويكيّف ويزهزه" على حساب غيره فهو لا يملك حافظة نقود ولا بطاقة اعتماد، ويزعم خصومه بأنّ بخله يفوق بخل المسجديّين الفرس الّذين ذكرهم كاتبنا الجاحظ في كتابه "البخلاء". وهذا ليس عيبًا، فقد نهى الله تعالى عن التّبذير ووصف المبذرّين بإخوان الشّياطين، وحاولت الاتّصال بالنّائب منصور عبّاس لأسأله عن الضيّافة في بلفور الّذي زاره مرّات عديدة في أيّام حكم نتنياهو بينما كان يخترع النّهج الجديد فلم أٌفلح بالاتّصال به.
جاء في نشرات الأخبار أنّ ملك إسرائيل عقد حلفًا في قصره في قيساريا بين سموطرتش وبن غفير كي يضمن 61 نائبًا في الكنيست ويعود الى بلفور مظفّرًا "ويفعل السّبعة وذّمتها" في محكمة العدل العليا ويضمّ الضّفة الغربيّة الّتي يسّميها "يهودا والسّامرة" الى مملكة إسرائيل ويبطش في أهلنا في النّقب ويصول ويجول في هدم بيوتنا، وهذه الأمور متفرّقة ومجتمعة جعلتني أعيد النّظر في سيرة أبي يائير، ملك إسرائيل الشّهير القدير، الّذي يسعى كي يبعدنا عن الصّناديق، ليخلو له الطّريق.