النُّطقُ سعادة
تغريدة الصباح- محمّد علي طه

كم مرّةٍ همس لي شخصٌ أو قال آخر على مسمع من الجميع "النُّطقُ سعادة" معبرًّا عن رضاه أو عدم رضاه بعد سماعه جملةً من متحدّث في المجلس. والنُّطقُ هو كلام المتحدّث الّذي قد يُرضي السّامع ويسعده وربّما يزعجه ويغضبه كما أنّه يسعد ناطقه حين يرى وقع كلامه الطّيّب على قلوب السّامعين ويشاهد أثره على وجوههم.
قرأت قبل سنواتٍ أنّ أحد الخلفاء كان يتفقد الرّعيّة كعادته فمرّ بغلامٍ يقرأ القرآن فسأله: يا غلام ماذا تقرأ؟ فرفع الغلام رأسه عن الكتاب وفوجئ بالخليفة واقفًا على مقربة منه فأجاب: أقرأ يا سيدّي الخليفة "ألم نشرح لك صدرك".
اقترب الخليفة من الغلام وتناول القرآن الكريم ونظر في الصّفحة الّتي كان يقرأها الفتى فاذا هي "سورة عبس".
أعجب الخليفة بذكاء الغلام وسرعة خاطره وحسن إجابته فكافأه على ذلك. تذّكرت هذه القصّة قبل أيّام حينما كنت أجلس في بيت عزاء لمواساة عائلةٍ كريمة فقدت شابًّا يافعًا فتقدم رجل خمسينيًّ أنيق وقدّم العزاء للعائلة بكلماتٍ مرّتبةٍ جميلة، وبعد أن جلس سأله أحد الحاضرين: كيف حال أخيك أبي مصطفى؟ فأجاب: لا ينقصه شيء سوى الموت. فسأله الرّجل ثانية والدّهشة تبدو على محيّاه: هل هو مريض؟ فأجاب: لا، ولكنّه في الخامسة والسّبعين من العمر وهذا يكفيه. فقال السّائل محتجًّا: أنا يا أخي في الثّمانين! فردّ عليه: أنت تعيش في الوقت الضّائع كما يقول لاعبو كرة القدم وكان من المفروض أن تموت قبل عشر سنوات.
خيّم الصّمت على الحاضرين وحلّقت في الفضاء أسئلة عديدة من العيون والوجوه وقال أحدهم: الأعمار بيدّ الله، وقال آخر: النّطقُ سعادة.
نعيش في هذه الأيّام زمنًا رماديًّا يكثر فيه الكلام المغموس بالحقد والعنصريّة ومعاداة الحريّة والدّيمقراطيّة والانسانيّة، كلامٌ ينطقه زعماء أحزاب سياسيّة تتنافس على الولاية وتتوعّد خمس سكّان هذه الدّولة بمصادرة ترابهم وفضائهم، ولا زعيم سياسيًّا اسرائيليًّا أو قائدًا حزبيًّا صهيونيًّا يحتجّ على تصريحاتهم العنصريّة ووعيدهم البهيميّ مطالبًا بردعهم.
عندما كان العنصريّ مئير كهانا يصعد إلى منبر الكنيست في سنواتٍ خلون كان قادة حزب اللّيكود وحزب العمل وآخرون يخرجون من القاعة احتجاجًا وأمّا اليوم فإنّ زعيم المعارضة بنيامين نتنياهو يدعو النّائبين العنصريّين سموطرتش وبن غفير إلى قصره في قيساريا ويوحدّهما لخوض الانتخابات البرلمانيّة وسط زفّة إعلاميّة وفرحٍ غامر.
لو كنّا نعيش في دولةٍ عاديّة وفي مجتمع سويّ لقذف المجتمع هؤلاء العنصريّين بعيدًا مثلما تقذف المعدة الطّعام الرّديء، ولكنّنا نعيش في زمنٍ يتوحدّ فيه بن غفير وسموطرتش في قصر نتنياهو على كراهيّة العرب وتقويّة اليمين الفاشيّ ودعم قانون القوميّة.
يتوحدّون وهم يحلمون بالترانسفير.
يتوحدّون كي ينتصروا على الصّوت العربيّ ويخنقوه ويقتلوه.