خلفيات إزالة الخط الأخضر
نبض الحياة- عمر حلمي الغول

خطوة إسرائيلية جديدة على طريق تصفية خيار السلام، تمثلت بإزالة الخط الأخصر الفاصل بين أراضي دولة فلسطين المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وبين دولة الاستعمار الإسرائيلية، وضم فعلي وفقا لـ"قانون القومية الأساس للدولة اليهودية" العنصري المصادق عليه في 19 تموز/ يوليو 2018، الذي تزامن صدوره مع إعلان الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب عما سمي بـ"صفقة القرن"، ودشنها بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل نهاية عام 2017، ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى العاصمة الفلسطينية في أيار/ مايو 2018، وما تبعها من خطوات على طريق تصفية خيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وإغلاق أية منافذ نحو السلام.
وهذا ما طالبت به رسالة المديرة العامة لوزارة التربية والتعليم الإسرائيلية، داليت شتاوير يوم الثلاثاء الماضي إلى مدير مديرية التربية والتعليم في بلدية تل أبيب، شيرلي ريمون، بإزالة الخرائط التي جرى تعليقها في قرابة 2000 صف في مدارس المدينة، التي يظهر فيها الخط الأخضر. وطالبت باستخدام الخرائط الرسمية فقط، التي لا يظهر فيها الخط الأخضر، وهو خط وقف إطلاق النار بين إسرائيل والدول العربية عام 1949.
وشاءت شتاوير التأكيد من خلال رسالتها، على إلزام البلدية بالتقيد بـ"تعليق الخارطة الجديدة" التي تتضمن موقف الحكومة السياسي، الذي كرسه الكنيست، وعملت الحكومات المتعاقبة على تكريسه عمليا على الأرض، وتأبيد الاستيطان الاستعماري الكامل على كل فلسطين التاريخية. وبالتالي إزالة الخريطة التي علقتها البلدية، وتعكس الواقع القائم، الذي يفترض أن يبنى عليه لبلوغ خيار حل الدولتين على حدود 1967، ويجب إسقاطها من التداول أو التعامل معها. وفق ما ذكرته صحيفة "هآرتس" يوم الخميس الماضي.
وعلق رئيس بلدية تل أبيب، رون خولدائي قائلا: إن الخريطة التي يظهر فيها الخط الأخضر "تستعرض الواقع كما هو، دون وساطة ودون رقابة، وتسمح للأولاد والبنات باستيعاب حيز حقيقي وصادق". وهو يقصد، أنها (الخريطة) تعكس المحافظة على خيار حل الدولتين، وتضع الأجيال الجديدة أمام الواقع الافتراضي للحل السياسي الممكن والمقبول. لكن حكومة تسيير الأعمال الحالية ومن سبقها من حكومات لم تعد معنية قولا وفعلا وبالممارسة العملية، والانتهاكات اليومية إلا بخريطة واحدة، هي خريطة السيطرة الكاملة على فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر، ولا وجود لدولة فلسطينية، أو شبه دولة، وإنما هناك جزر أشبه بقطعة الجبن السويسرية.
وأكدت المديرة العامة لوزارة التربية والتعليم في رسالتها أن "الجهة الرسمية والوحيدة (المخولة) بإصدار خرائط إسرائيل هو المركز لترسيم خرائط إسرائيل"، وعلى الجميع الالتزام بذلك وفقا للقانون. وأيضا فإن وزير التربية والتعليم هو "الجهة المخولة بوضع منهاج مؤسسات التعليم في الدولة". ولا أحد غيره.
وأعادت "هآرتس" الذاكرة للحقيقة التاريخية المعروفة، والسابقة على المصادقة على "قانون القومية..." وعلى صفقة القرن المشؤومة، والمرتبطة بالمطامع الصهيونية الاستراتيجية في إقامة دولتها "من النيل إلى الفرات"، ولهذا أكد قادتها التاريخيون على أن حدود إسرائيل يحددها أقدام وبساطير جنودها، حيثما تصل تكون حدود دولتهم الاستعمارية. لهذا قالت الصحيفة: إنه يكاد لا يوجد في جهاز التعليم الإسرائيلي، ومناهج التدريس كلها، أي ذكر لحدود إسرائيل ودلالاتها، والخرائط المعلقة في الصفوف هي مبادرة من جانب السلطات المحلية أو المدارس أو الشركات الخاصة. كما أن كتب التدريس التي تصدر بإشراف ومصادقة وزارة التربية والتعليم أيضا لا تكاد تذكر "الخط الأخضر".
والمرة الوحيدة التي طالبت فيها وزيرة التعليم السابقة، يولي تمير بذكر "الخط الأخضر" في الخرائط المدرسية عام 2007، الأمر الذي فتح عليها جبهة واسعة من التحريض من قوى اليمين الصهيوني. وغادرت موقعها ولم تنفذ قرارها لأنه خلفها الليكودي، جدعون ساعر آنذاك. ومع ذلك، فإن رسالة المديرة العامة شتاوير لها دلالاتها السياسية في هذه اللحظة باقترانها بالبعدين التاريخي الناظم لقادة دولة التطهير العرقي الإسرائيلية، ولـ"قانون القومية الأساس"، وإلا لمَ أولت أهمية للخريطة التي أعدتها البلدية قبل أسبوع من بدء العام الدراسي الجديد؟
والرسالة بحد ذاتها، لخصت الموقف الرسمي الإسرائيلي، ولم يعد ما يقال، سوى إسقاط خيار إسرائيل التوسعي والعدواني، وتكريس الحقوق السياسية والقانونية الفلسطينية بانتزاع الاعتراف بعضوية فلسطين كدولة عامل في الأمم المتحدة، وتأمين الحماية الدولية لحدود الدولة الفلسطينية وشعبها من دولة الإرهاب المنظم الإسرائيلية.